محمد العلي

أوهام تلفظ أنفاسها «1-2»

التاريخ العربي منذ العصر المسمى جاهليا وحتى الآن عرف القائد الملهم، الذي يقود قومه أو أمته إلى النصر، أو يخرجها من الظلمات إلى النور في الأزمات الكبرى، وليس صوت ابي تمام في عمورية عنا ببعيد.وهم القائد الملهم أو القائد الضرورة راح يلفظ أنفاسه الآن.. ويمشي على خطاه وهم الحزب القائد.. فقد خرجت الاحزاب الآن بفعل تطور الوعي من تحت الارض التي كانت تستر تصدعاتها.. خرجت إلى الشمس وفقدت الشعارات الفاقعة قدرتها على الجاذبية السريعة.. وتبعت هذين الوهمين أوهام كثيرة، كان الكثير منا يعتبرها حقائق لا يمكن أن تزول.الوهم في الربيع العربي ناشئ من أن الجيل الذي فجر هذا الربيع كان مليئا بأفكار عصره وبالأنوار القادمة من الضفة الأخرى للبلدان المتقدمة، التي وعاها وراح يقارن بين حياة مجتمعها وبين حياتههذا ما يوحيه التأمل في «الربيع العربي»، الذي لا يزال الناظرون إليه يلبسون نظارات الماضي المغبر إلا قليلا منهم.. بل وصل النظر الأعشى ببعضهم إلى اعتباره خريفا أصفر صفرة بقرة بني اسرائيل.الربيع العربي أسقط وهم القائد الملهم لأول مرة في التاريخ العربي، وأسقط وهم الحزب القائد ورفع ما كنا نسميه «القاعدة الشعبية» أو «الحاضنة الاجتماعية» إلى أعلى درجات السلم أصبحت هي القائد والمفكر وحامل الضوء المتواتر كما أسقط أسوار الخوف.صحيح أن هناك بعض الأوهام، ولكننا نعرف أن الوهم جزء من الكينونة البشرية.. وقد أخذ منتقدو عصر الأنوار ازدراءه للوهم على انه خطأ فادح أو يشبه الخطأ.الوهم في الربيع العربي ناشئ من أن الجيل الذي فجر هذا الربيع كان مليئا بأفكار عصره وبالأنوار القادمة من الضفة الأخرى للبلدان المتقدمة، التي وعاها وراح يقارن بين حياة مجتمعها وبين حياته.. ولم يلتفت إلى الأوهام التي تمكنت من البناء الفكري للأجيال التي سبقته التي تباين في سلوكه الفكري والعملي عن سلوكها.خطأ جيل الربيع العربي خطأ ثقافي، فهو رهن ثقافة جديدة وعاها عبر المواصلات المعرفية الجديدة ولكن الخطيئة لا الخطأ اقترفها جيل النهضة الذي ظن أن «الاحياء» هو الطريق إلى منازلة الغرب في علومه وتقدمه.. وغاب عنه أن الأنظمة المعرفية السابقة شبعت موتا كما يقول الجابري ولم يبق من الماضي الذي يريد احياءه ألا «الادلوجيا» والادلوجيا لا زمن لها لأنها حلم.