ميركل و اخوانها
الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها الإدارة الأمريكية ، يبدو أنها تعكس بوضوح حالة الارتباك التي قد تسم الفترة المتبقية من رئاسة السيد أوباما. الولايات المتحدة بدورها الريادي في العالم لا ينكره أحد، ولكن عندما تصبح أجزاء من ممارسة ذلك الدور دون المستوى المطلوب في التعامل الدولي سواء بين الأنداد المتنافسين أو بين الأصدقاء والشركاء الحقيقيين. هنا تصبح المسألة أمرا يدخل الولايات المتحدة وكل من له علاقة بها في دوامة لا تنتهي. تجسس الولايات المتحدة الأمريكية وتنصتها على منافسيها التقليديين مثل الصين وروسيا أمر قد لا يخرج عن ميدان التنافس التقليدي الذي تمارسه كل الأطراف أملاً في تحقيق مصالحها الخاصة، و مسألة جمع المعلومات عن الدول الأخرى بما فيها الصديقة والشريكة أو الحليفة عبر الأجهزة التقليدية بما في ذلك الأنشطة الدبلوماسية أمر يتفهمه الكل في ميدان العلاقات الدولية، المسألة التي أثارت موجة غضب شركاء أمريكا في الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة تعيدنا ببساطة إلى حالة الإرباك التي تعيشها القيادة الأمريكية وتصدرها في نفس الوقت لشركائها لتضعهم في حيرة من أمرهم.الولايات المتحدة بدورها الريادي في العالم لا ينكره أحد، ولكن عندما تصبح أجزاء من ممارسة ذلك الدور دون المستوى المطلوب في التعامل الدولي سواء بين الأنداد المتنافسين أو بين الأصدقاء والشركاء الحقيقيين. هنا تصبح المسألة أمرا يدخل الولايات المتحدة وكل من له علاقة بها في دوامة لا تنتهي.ففي حين كان قادة الاتحاد الأوروبي يخططون لقمة روتينية تبحث معضلات حقيقية تمر بها منطقة الاتحاد الأوروبي ليس أقلها مشكلة تباطؤ النمو الاقتصادي وموضوع الهجرة من جنوب المتوسط، فاجأ الاعلام الدولي المؤتمرين بمعلومات أشعلت الغضب والاستنكار في الشارع الأوروبي. وعبرت قيادات أوروبية مختلفة عن رفضها لأعمال التجسس والتنصت التي تقوم بها الولايات المتحدة على أجهزة المواطنين الأوروبيين، وعلى المؤسسات والبعثات الدبلوماسية لبعض الدول الأوروبية في الأمم المتحدة، كما جاء الرفض أكثر تشديداً على المعلومات التي تحدثت عن تنصت الأجهزة الأمريكية على الهواتف الشخصية للزعماء الأوروبيين، بما فيهم المستشارة الألمانية السيدة إنجيلا ميركل. الغضب الأوروبي كان ولا يزال يتصاعد جراء هذه الممارسات الأمريكية التي تكشف التقارير الاخبارية اليومية المسربة من عملاء سابقين للوكالات الأمريكية أن الأمريكان لم يتورعوا عن انتهاك خصوصية وسرية معلومات الأصدقاء والحلفاء، ومن المعلوم أن السلطات الأوروبية طالبت القيادة الأمريكية بتفسيرات وتوضيحات لما يتردد، وكان الرد الأمريكي سواء على لسان السيد أوباما الذي تلقى اتصالات بهذا الخصوص من عدة زعماء أوروبيين أو على لسان المتحدثين الرسميين باسم الجهات الرسمية الأمريكية واحداً وهو نحن لا نتنصت على أحد، ولن نتنصت على أحد. هذه الردود المستفزة في مقابل هذه الحقائق التي أفزعت الجانب الأوروبي جعلت ثلاث دول أوروبية هي فرنسا و ألمانيا واسبانيا وخلال أسبوع واحد تقريباً تقدم على استدعاء السفير الأمريكي في كل دولة، وذكرت مصادر أوروبية أن هذا السلوك الدبلوماسي الذي يعبر عن درجة عالية من الخلاف بين طرفين لم يستخدم بين الحلفاء منذ الحرب العالمية الثانية! هذه الموجة التي تشعلها أمريكا اليوم كانت أيقونتها السيدة أنجيلا ميركل التي غطت صورها وهي تمسك بهاتفها الجوال المخترق من قبل الأصدقاء الأمريكان معظم المطبوعات خلال أسبوع، ومما زاد احتقان الإعلام الألماني تسرب معلومات مؤخراً تفيد بان هاتف السيدة المستشارة مراقب من قبل السفارة الأمريكية في العاصمة الألمانية منذ العام 2002م. على هامش التقارير التي توسعت في تفصيل عمليات التجسس الأمريكية ذكرت بعض المصادر أمورا يجدر برؤساء دول العالم جميعا الاحتياط لها، وتتلخص تلك المعلومات في أن وكالة الأمن القومي الأمريكية تراقب الهواتف الشخصية لأكثر من ثمانين رئيس دولة وحكومة عبر العالم! أحد الوجوه الدبلوماسية الأمريكية الشهيرة علق على عاصفة التنصت على الدول الغربية بأن ذلك أمر عادي وطبيعي! وهذا ما قالته السيدة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة. وعلينا أن لا نستغرب مثل هذا القول من مسئولة رفيعة كانت في السلطة يوما ما، خاصة عندما نعرف أن الحكومة الأمريكية خصصت في العام 2011م ميزانية بلغت 652مليون دولار لتوفير برامج الكترونية تجسسية تستهدف ملايين الحواسيب عبر العالم. ميركل كزعيمة أوروبية ليست الوحيدة إذا التي تستهدفها وكالات التجسس الأمريكية، إنما معها زعماء من شرق وغرب الكرة الأرضية، وربما هذا يفسر الهاجس الذي بدأ يسيطر على صناع السياسة الأمريكية في أعقاب 11 سبتمبر حيث أصبح هناك اهتمام مبالغ فيه بالتفوق الأمريكي على الغير وفي شتى المجالات حتى وإن كان بطرق غير أخلاقية وقانونية. قصة جديرة بأن تروى في هذا المقام حدثت العام 2002م عندما اكتشف الصينيون وجود أكثر من عشرين جهاز تجسس صغير جدا في طائرة من نوع بوينج 767 كان من المقرر أن تصبح طائرة رئاسية، وذُكر حينها أن الأجهزة المنتشرة في تلك الطائرة متناهية الصغر ومتصلة بالأقمار الصناعية، وأنها موزعة على مرافق الطائرة الرئاسية بما في ذلك الحمام الخاص بالرئيس الصيني ومكان نومه!! لا تستغربوا فكل معلومة أو حركة حتى وإن كانت ثانوية مهمة لوكالات الأمن الأمريكية التي نجحت في تصوير السياسيين الأمريكيين بأناس فاقدي الثقة والمصداقية.