حسن السبع

«إذا أحببت شخصاً فأطلق سراحه »

إذا كانت عبارة «ومن الحب ما قتل» تشير إلى الحب الذي يقتل المحب، فإن هنالك حبًّا يقتل المحبوب. وإذا لم يقتله سلبه إرادته، وأثقل كاهله، وكتم أنفاسه. والكلام هنا على الحب بشكل مطلق. فالحب الذي يكبّل الحرية ليس حبًّا، وكذلك الحب المشروط، والامتلاك ليس حبًّا بل عبودية، لأنه يتعارض مع حرية الاختيار وحرية الإرادة. الحرية فضاءٌ رحبٌ وشمسٌ وهواء، وعندما نمنع الشمسَ والهواء عن شجرة الحب فإنها تذبل وتموت.من يريد أن يحقق مقولةَ «الحب للحب» فعليه أن يرى تشابها حتى في الاختلاف، وأن يغض الطرف عما يعتقد أنها عيوب، لا أن يبحث عنها بالميكروسكوب ثم يضخمها. قل لمن يحبك بشروط إن الشرط قيد، والحرية أثمن هبة في الوجودولأن السعادة نبع يتدفق من الداخل، ولأن الأمزجة والأرواح مختلفة، فقد نرفض وصْفَات السعادة التي يقترحها بعضهم. لذلك يقول إيمانويل كانت : «ليس باستطاعة أحد إجبارنا على أن نكون سعداء بالكيفية التي يراهـا هو». لكن، ما أكثر أولئك الذين يريدون أن تكون سعيداً على طريقتهم، وأن تصبح نسخةً كربونيةً منهم. تفكر كما يفكرون، وتتصرف كما يتصرفون.  ما من شخص سوي يتنازل عن حريته ما لم تكن الأغلال نابعة من داخله. حتى القيود تصبح زاهيةً إذا كانت من صُنْعنا، أو اختيارنا. نكبّل بها أنفسنا عن طيب خاطر. ذلك هو الإذعان الوحيد المقبول. لأنه لا يتعارض مع إرادة المذعن. تصور طائرا منعَّما مدللا داخل قفص، وما أن يجد فرصة سانحة للهرب حتى يفر مضحياً بالحب والدلال ومفضلاً عليهما الفضاء الواسع. نحن أيضا نشبه ذلك الطائر. ويمكن اختصار هذه الفكرة في عبارة جاءت على لسان أحد شخوص فيلم هوليودي عنوانه : «All about Steve»  تقول: «إذا أحببتَ شخصاً فأطلقْ سراحَه، لأنك إذا قيدتَ حريته فهو ليس لك من البداية». وعندما غنّتْ فائزة أحمد «ما تحبنيش بالشكل ده»، لم يكن اعتراض مؤلف الأغنية على الحب، ولكن على طريقة التعبير عنه.        يقول لك أحدهم: «أنا أحبك وأريد لك الخير»، ولا ريب في ذلك، فهو فعلا يعني ما يقول، لكن تلك العبارة ملتبسة ومراوغة أحيانا، لأن معايير الخير والشر والصواب والخطأ والجمال والقبح مختلفة من شخص إلى آخر وفْقَاً لاختلاف التربية والثقافة والميول والتوجهات. و .. «رُبَّ قُبْحٍ عند زيدٍ هو حُسْنٌ عند بَكْرِ/ فهما ضدَّان فيه، وهوَ وهْمٌ عند عَمْرِو»!من يريد أن يحقق مقولةَ «الحب للحب» فعليه أن يرى تشابها حتى في الاختلاف، وأن يغض الطرف عما يعتقد أنها عيوب، لا أن يبحث عنها بالميكروسكوب ثم يضخمها. قل لمن يحبك بشروط إن الشرط قيد، والحرية أثمن هبة في الوجود. يصف إيريك فروم شكلا من أشكال الإذعان الذي يصادر إنسانية المرء في كتابه (الخوف من الحرية) فيقول: «إن التنازل عن التلقائية والفردية يعني أن يصبح المرء شخصا آلياً حيًّا من الناحية البيولوجية ومَيْتا انفعالياً وذهنيا». ذكّرْ من يريد أن ينحتكَ على هيئته، ويصبّكَ في قالبه، ويسكبكَ في إنائه، أنك بحاجة إلى الحرية لكي تكون نفسك، لا أن تنتحل شخصية غيرك، أو تمثل أدوارا لا تعبر عنك. قل له أريد أن أكون صنيعة أحلامي لا حلماً لشخص آخر. قل لمن يريدك كاملا «الحلو ما يكْمَلْش.. يا صديقي»! فتقبلني كما أنا لا كما تريد أن أكون. قل له إن بعضهم يضيع عمره بحثاً عن الشخص الكامل. وذكّره - إن كان ناسيا - بحكمة النابغة الذبياني القائلة : «ولستَ بمسْتَبقٍ أخاً لا تلمُّهُ على شَعَثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ»!