حسن السبع

التأديب بالموسيقى الكلاسيكية

ينقل شهاب الدين الأبشيهي في كتابه (المستطرف في كل فن مستظرف) عن الأطباء زعمهم أن الصوتَ الحسنَ يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم، وتنمو له النفس، ويرتاح له القلب. ويورد، كذلك، ما قاله سلام الحادي للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وكان يُضرب بحُداء سلام المثل: «مُرني، يا أمير المؤمنين، بأن يُظمئوا إبِلا، ثم يوردوها الماء، فإني آخذ في الحُداء، فترفع رؤوسَها وتترك الشرب»! وما نقله الأبشيهي في مستطرفه يؤكد على أن الأصوات الجميلة،   والأداء المميز يأسر أذن السامع. «والأذن تعشق قبل العين أحيانا» كما يعبر بشار بن برد الذي حُرم نعمة البصر فجعل من أذنه عينا يرى بها الجمال، أو يتخيله على الأقل. لذلك صارت موسيقى موتزارت وفيردي وباخ عقابا رادعا لتأديب التلاميذ في إحدى المدارس البريطانية، فقد توصل بريان ووكر، وهو مدير مدرسة «وست بارك» في مدينة داربي بانجلترا إلى طريقة طريفة لتأديب التلاميذ المقصرين والمشاغبين بإجبارهم على الاستماع إلى مقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية كرادع فعَّال ضد إساءة  التصرفوفي مقابل ما قيل في الأصوات الجميلة أبيات أخرى تهجو الأصوات المنكرة، وتعتبر الاستماع إليها شكلا من أشكال العقاب. ومن ذلك قول الشاعر علي بن الجهم في وصف مغنٍّ بارد: «كنتُ في مجلسٍ فقال مغني القوم كم بيننا وبين الشتاءِ؟ فذرعتُ البساطَ مني إليه.. قلتُ هذا المقدار قبل الغناءِ»! فشتاء ابن الجهم يبدأ ما أن يرفع ذلك المغني البارد عقيرته بالغناء. يرى الأطباء أن الموسيقى العنيفة الصاخبة تضعف الذاكرة، وتؤثر في القدرة السمعية على المدى البعيد. ليس هذا فحسب، بل إن البيئة الصاخبة لا تهيئ مناخا ملائما للتأمل، وإن البقاء دائما للقيمة والدلالة والمعنى الذي ينتجه الصوت الأعمق وليس الأعلى، فهي التي ترسخ في الذاكرة وتؤثر في النفس. مع ذلك فإن الذائقة تتغير من جيل إلى آخر، وفي كل ثقافة جيل جديد يميل إلى سماع الموسيقى العنيفة الصاخبة، ولا يطيق سماع الموسيقى الكلاسيكية، لذلك صارت موسيقى موتزارت وفيردي وباخ عقابا رادعا لتأديب التلاميذ في إحدى المدارس البريطانية، فقد توصل بريان ووكر، وهو مدير مدرسة «وست بارك» في مدينة داربي بانجلترا إلى طريقة طريفة لتأديب التلاميذ المقصرين والمشاغبين بإجبارهم على الاستماع إلى مقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية كرادع فعَّال ضد إساءة  التصرف. فعند انتهاء الحصص الدراسية كل يوم جمعة، وبعد ثالث تحذير للتلميذ بالكف عن إساءة السلوك، يجبر التلميذ المشاغب على الاستماع إلى روائع  الموسيقى الكلاسيكية عقابا له، وردعا لأمثاله! وفي حين يقول أحد الشعراء: «غنَّى فلم تبقَ فيَّ جارحةٌ إلا تمنَّتْ بأنها أذُن»! يعلق أحد أبناء الجيل الماضي على ما يشاهده هذه الأيام فيقول: كنا نغمض عيوننا، ونفتح آذاننا أثناء الحفلات الغنائية، للاستمتاع بالأداء الراقي والكلمات الجميلة. لكننا، هذه الأيام، نفعل عكس ذلك، أي نفتح العيون «ع الآخر»، ونسد الآذان. وفي لقاء أجرته الفضائية الفرنسية «فرانس 24» يرى الموسيقي السوري عابد عازرية أن المتلقي العربي لم يعتد على موسيقى الإصغاء، فهو أَمْيل إلى موسيقى الترفيه والتطريب. أما مصيبة المصائب، وكارثة الكوارث، فهي أن تضطر إلى إغلاق أذنيك وعينيك في مثل تلك الحال التي عبر عنها الشاعر جورج جرداق بقوله: «وخرجت من حنجرتها جاموسة» وكان يصف إحدى آفات الغناء العربي في أيامنا هذه. وقد أوحت لي عبارة جرداق تلك بالحلمنتيشية التالية: «حَسِبَتْ أنَّ سُلَّمَ الفنِّ سَهْلٌ/ مثل أَكْلِ الكَبابِ والسَّنْبوسَهْ/ وأطَلَّتْ أرطال لحْمٍ وشَحْمٍ/ في المسَاحِيقِ أصبحَتْ مغْمُوسَهْ/ واعْتَلَتْ مسْرَحَ الغِناءِ لتشدو/  فَتَدَلَّتْ مِنْ حلْقِها جامُوْسَهْ»! وُقِيتم مَشقّة سماع الأصوات النشاز!