«الفلسطينيون يجهضون حلم «وجدة
الطالبات يعبرن فناء المدرسة المتوسطة، ويدخلن المبنى الضخم مجموعاتٍ وأزواجاً وفرادى، ثم ينغلق الباب الحديدي الكبير بدوي وإحكام فيبدو المبنى من الخارج كسجن. وفي الداخل، وباختلاف في الدرجة، يشيع جو شبيه بأجواء السجون. يضيق المكان على الطالبات، حيث يخضعن للكثير من الأوامر والتفتيش والتهديد بالطرد والعقاب بـ»التوقيف» في الشمس كما يحدث لـ «وجدة» (وعد محمد) أكثر من مرة كما يرد على لسان مديرة المدرسة (المخرجة عهد).وعلى مسافة غير قصيرة من المدرسة، يقع بيت «وجدة»، وهو مكان ضيق أيضا، أو جعلته المخرجة هيفاء المنصور ضيقاً، وخافت الإضاءة عمداً، بحصر حركة الكاميرا في أجزاء منه، وتقطيع الأجزاء الى أجزاء أصغر باستخدام اللقطات القريبة أو المتوسطة، إلا في مواقف قليلة. يبدو أن التجزيء والتشريح البصري للمكان لهدف اثارة الإحساس بالضيق الناشئ من الخطر الذي يهدد استقرار الاسرة، المتمثل بزواج الأب، من امرأة أخرى لتنجب اولاداً يضيفهم لشجرة العائلة المبجلة كما تصفها زوجته (ريم عبدالله)، التي لم تعد قادرة على الانجاب لتعرضها لبعض المشاكل أثناء ولادتها لـ»وجدة».بين هذين المكانين، يمتد العراء، الفضاء الواسع، الذي تقطعه وجدة جيئة وذهاباً بينهما. تعدو وتلعب فيه بصحبة ابن الجيران عبدالله (عبدالرحمن الجهني)، صديقها، ومن يعلمهما ركوب وقيادة «السيكل»، ويعبر عن رغبته في الزواج منهابين هذين المكانين، يمتد العراء، الفضاء الواسع، الذي تقطعه وجدة جيئة وذهاباً بينهما. تعدو وتلعب فيه بصحبة ابن الجيران عبدالله (عبدالرحمن الجهني)، صديقها، ومن يعلمهما ركوب وقيادة «السيكل»، ويعبر عن رغبته في الزواج منها. في هذا الفضاء الشاسع المغمور دائماً بنور الشمس على خلاف بيتهم المعتم، تتحرك «وجدة» بحرية كاملة، لا تحدها حدود ولا تقيدها أنظمة المدرسة، ولا سلطة الاب الذي يضطره عمله الى الغياب اسبوعاً، وربما أكثر. إن تحرر «وجدة» في العراء يفضي بدوره الى تحرر كاميرا المنصور في حركتها، وتنوع لقطاتها، وفي اشتغالها التعبيري. تمشي أو تعدو الى جانب «وجدة»، أو تلاحقها، أو تسبقها إلى الأمكنة التي تذهب اليها. وهي في كل هذا، أي الكاميرا، تسعى الى ابراز شخصية «وجدة» واختلافها عن قريناتها؛ في إصرارها على تحقيق أمنيتها حين تركض خلف السيارة التي تحمل «السيكل» الذي أعجبها وعقدت العزم على شرائه، وفي جرأتها عند مخاطبة الباعة، ولكشف أنها عرضة للخطر في هذا العراء، حين تبتعد (الكاميرا) لتصطادها في لقطة طويلة جداً، تظهر فيها صغيرة ضئيلة الجسم، في أرض بيضاء واسعة، بعيدة ومنعزلة عن الناس، قرب بيت تحت الإنشاء، يكمن الخطر في الطابق العلوي منه، متجسداً في العامل الآسيوي الذي يحثها على الصعود إليه. في تلك اللحظة الحرجة، يدخل المشهد صديقها عبدالله، ثم يأتي من يبدو أنه مالك البيت، فيصيح بهما ليبتعدا عن المكان.إن كشف تميز واختلاف «وجدة» الذي تقوم به الكاميرا في الخارج، امتداد لما تقوم به في الداخل (المدرسة)، ومنذ الدقائق الاولى من الفيلم، حيث يبدأ صوتياً ببعض الطالبات وهن ينشدن نشيداً دينياً، ثم تظهر اللقطة القصيرةالاولى (كلوس أب) قدمي طالبة في حذاءين أسودين، في اتجاه الكاميرا. ثم تستدير البنت، وتنظر مع زميلاتها في الاتجاه المعاكس. أثناء ذلك، تمر طالبتان من صف آخر، فتلوح لهما «وجدة «بيدها. تلحظها المعلمة، فتطلب منها التقدم اليها. ينفرج صف الطالبات أمامها، لتصطاد الكاميرا -في لقطة قصيرة- قَدَمَيْ «وجدة» في حذاءين مختلفين (كاوتش) عن أحذية الطالبات الأخريات. ويتعزز اختلاف «وجدة» في المواقف السردية التالية في المدرسة، الى أن يصل الأمر ذروته في تصريحها بأنها ستشتري «سيكل» بالألف ريال التي فازت بها في مسابقة حفظ القرآن الكريم، لتثير غضب المديرة التي تصر على التبرع بالمبلغ للفلسطينين.في نهاية حلوة مرة، تشتري الأم المكلومة «السيكل» لابنتها، وينتهي الفيلم بـ»وجدة «وقد سبقت صديقها وابتسامة الانتصار على محياها، والأفق أمامها ينداح الى ما لا نهاية.