مطلق العنزي

هو الجرح.. «إماطة الأذى» يا عبدالله..

تهيأت لكتابة موضوع في فكرة أخرى ليست لها علاقة بما يلي، لكن استفزني عنوان مقالة زميلنا المبدع عبدالله المديفر أمس «بادر»، لأنه وضع اصبعه في ذات الجرح الذي يتقيح، منذ ثلاثين عاماً، في مهجتي، منذ أن بدأت حركة تنمية نشطة في البلاد ومنذ أن تولع حكام وحكماء مجتمع الأعمال ومجتمع البيروقراطيين، بثقافة الاستقدام المريرة التي تطورت إلى «جبهة حربية» صريحة ضد الشباب السعودي. وانخرطت في جبهة الحرب هذه مرات عديدة، منافحاً عن الشباب المظلومين الذين تتحد ضدهم قوى المال بعنف وبقسوة، وأحياناً بسفاهة، حتى ناصبني العداء بعض من منظري ضلالات ثقافة الاستقدام ومريديها ومروجيها، الذين ينفخون بكيرها بكرة واصيلاً. تتلخص مقالة المديفر أن شركة وظفت شاباً (يبدو سعودياً) بـ«واسطة» من «أحد كبار المسئولين» ولم يفلح الشاب، وبعد تنقلات تلطفية قدم مبادرة ناجحة جعلت الشركة تتمسك به.أحزنني أن المديفر قد أمد قوى المال الجلفة الغليظة بذخيرة النيران، وربما ايضا بلا قصد. إذ ستفسر ثقافة الاستقدام أن سطوره توحي بأن الشباب السعودي يفتقر إلى «المبادرة»، بينما مجتمع الأعمال عندنا عصري، ومتطور ومحترف ومهني ويتطلع إلى موظفين محترفين.مقالة المديفر جميلة لكنها استفزازية مريرة بالنسبة لي، ووعظ فيها الشباب الذين يفتقرون إلى المبادرة، وهذا إسداء نصح مقبول ومندوب، لكنه قصر عن واجب «إماطة الأذى» عن طرق الشباب وسككهم. بل انه زرع، بلا قصد، أشواكاً في دروب الحفاة الشعث الغبر السائرين في تيه مناكبها. أحزنني أن المديفر قد أمد قوى المال الجلفة الغليظة بذخيرة النيران، وربما ايضا بلا قصد. إذ ستفسر ثقافة الاستقدام أن سطوره توحي بأن الشباب السعودي يفتقر إلى «المبادرة»، بينما مجتمع الأعمال عندنا عصري، ومتطور ومحترف ومهني ويتطلع إلى موظفين محترفين. وفي رأيي أنه أخطأ في تقديم «النموذج» الصحيح. لأنه ركز على العبقرية التي تفتحت، لكنه نسى أن الشاب النموذج جاء إلى الشركة بـ«واسطة»، والواسطة لها سحرها الخاص، وملكات وأقدار وكرامات، فهي أولاً تجعل بيئة العمل ملائكية للموظف، وتصفق له وترقص، وتداريه وتصبر عليه وتقدم له الخيارات والحلول والمهام التي يرغبها، وتسعى لرضاه وليس لكفاءته، حتى وإن كان لا يملك خبرة وبمهارات عامة «ضعيفة». وأثمر «تلطف» بيئة العمل وصبر مديريها عن عبقرية مدفونة. أما لو كان الشاب قد جاء إلى أي شركة تقريبا، بلا «واسطة» حاملاً ملفه الأخضر العلاقي وسيرة مسطرة بإناقة، ربما تلقى «شوته» مستعجلة قبل أن يطرف له جفن. وإذا كانت والدته قد ألحت على خالقها بالدعاء له، وقدر المولى، سبحانه، أن يدخل الشاب إلى إدارة الموارد البشرية، وجرى قبوله للتجربة، فإن أول «فشل» (أو ما يفسر تقصداً وبهتاناً أنه فشل) كفيل بأن يرميه في «العاير» المقابل لبوابة الشركة بلا رحمة وبلا أسف، لأن قطاعا عريضا من قطاع الأعمال مصاب بـ«فوبيا السعودة» التي تجثم على صدره آناء الليل وأطراف النهار وزادته «نطاقات» وزارة العمل ضيقاً على ضيق.وكي لا أكون متحاملاً، فإني استثني شركات قليلة ورجال أعمال قليلين يحرصون على السعودة ويوالونها بصدق وإخلاص، ويحنون على الشباب. وقد أبدع في ضيافتهم كثيرون، ولكنهم ليسوا ظاهرة في مقابل «ميلشيات» ثقافة الاستقدام المعادية للسعودة الطاردة للسعوديين. وترمنهكاً.. يطوف شوارع وميادين وواجهات زجاج..تنتابه توجسات وقليل من صبر.. بخطى متعبة يكابد مسافات وأزمنة..وتضاريس وجوه.الحلم الزاهي تغتاله مواعيد وأسئلة وحفا.. إذ تشتعل اللوعة وكثير من غضب.