العيد والسياسة
كنت منهمكا في استئناف تحليلي لخطاب روحاني السياسي وهو ما بدأته منذ ان تولى منصب الرئاسة في مجموعة من المقالات خاصة فيما يتعلق بالملفات الثلاثة الرئيسية التي تؤرق المجتمع الدولي وتحدد كما قلت من قبل بوصلة التغير الحقيقي في السياسة الخارجية وهي الملف السوري والملف النووي والملف الخليجي. وقد كنت أدون بعض الملاحظات عن خطابه الأخير الذي أدلى به في أول اجتماع لمجلس الوزراء بحضور النائب الأول لرئيس الجمهورية اسحاق جهانغيري وأعضاء الحكومة السابقة والذي نويت أن أدرجها في مقالي القادم. إلا أنني بعد فترة من التدوين وضعت القلم جانبا ثم أسندت ظهري ثم قلت أنطعمهم كعكة السياسة وقد لاح في الأفق بشائر العيد أارهقهم صعودا وسط جلبة الصغار وتكبيرات الكبير.ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم يا حنظلة ساعة وساعة. القدس التي مازالت اسيرة فتلك قصة اخرى قد ارهقت نفسي وارهقتكم صعودا. لم اشأ ان يكون يوم عيدنا تباكيا على هموم الأمة ومشكلاتها ولكن أينما وليت وجهك فثمّ وجه السياسة، يداها في الشارع والميادين وقدماها في «صاجات» وأفران الكيك والحلويات، وملأت المكان أنفاسها الخبيثةلكن وسط هذا التزاحم من الاحداث والازمات التي تمور بها المنطقة فلات حين مناص من السياسة التي ألقت بظلالها على أعياد الناس ولوثت فرحتهم وجعلتهم فاغري افواههم في دهشة سائلين كيف أمكن للسياسة الامساك بتلابيب العيد وجعلها تدور في محيطه. فما ان تولي وجهك قبل الشام حتى ترى دمشق تلك الأرملة الحسناء التي ظلت لعقود في محرابها لا تسمع سوى تسبيحها وتحميدها يتهافت الجميع عليها وهي تأبى أن تكون إلا لأبنائها ينهش عرضها ويذبح صغارها ولا تسمع سوى مآذنها وهي تصرخ وتبكي تعانق شهداءها. كم أصبحنا نستحي منك يا عروساً باتت توأد كل ليلة وهي تنتظر من يدفع فاتورة دمائها. وإذا وليت وجهك قبل الشمال فلا تكاد ترى سوى الصاجات والافران وقد اختلطت بشعارات الشارع بكل مفرداته وتياراته بعجائن الكعك وخميرة الخبز. فبعد الاحداث السياسية المتأزمة التي أعقبت عزل الرئيس مرسي لا تكاد ترى سائق تاكسي او صاحب الـ»تكتك» مرورا بمدير الأعمال والفنان يوم العيد الا وقد اطلت عليه السياسة بكامل زينتها وقالت هيت لك. اما الحديث عن بغداد فذو شجون حديث مثخن بالجراح المؤلمة تلك المدينة التي تغزلت بها ابيات الشعراء. بغداد المتنبي ، بغداد السياب، بغداد الجواهري التي قال عنها ان في العبرات نطقا ، يحير في بلاغته العقولا فان منعوا لساني عن مقال فما منعوا ضميري ان يقولا. كنت انا والدكتور ابو سعيد العراقي نتبادل المساجلات والمناكفات في مقهى ( اسكواير) في بريطانيا مدينة درم ذلك المقهى المطل على النهر فلما جاء ذكر العيد وبغداد تنهد الدكتور طويلا كالانفاس عند الموت و قال بصوت يحكي صداه زمنا بعيدا تجاوز الخمسة عقود، عندما كنت صغيرا واحسبني كنت في الابتدائي وقتها لم اتجاوز الثامنة او التاسعة كانت امي كعادتها قبل يوم العيد تأخذني بيدها الى سوق البزازين على ما اظن او القزازين وهو سوق معروف ببيع الاقمشة. كنا نذهب الى محل بذاته في زاوية السوق حيث العم عامر على ما اذكر شيخا أثقلت ظهره السنون ورسمت تجاعيده بعناية ولكنها لم تذهب قواه فنشتري منه دشداشة ( مقلمة) حتى ابدو كالرجال كما كانت تكرر أمي. كان يشدني كثيرا الكيس الذي كان يوضع فيه الدشداشة كان يبدو لي غريبا. كان هذا الكيس أخضر غامقا تعلوه على اليمين بقعة سوداء مكتوب عليها اسم المحل. ما ان نصل الى البيت حتى اسرع الى تقبيل رأس أمي سريعا وآخذ منها الكيس اشمه، ألمسه اضعه على حضنى حتى يجن الليل فاذا جاء الليل اخذت الدشداشة ووضعتها تحت مخدتي مغلفة بعيدية والدتي. كانت والدتي قبل ان أنام تقبلني ثم تقول لا لا تزعل الدشداشة بعدين العيد يزعل عليك أو غيرها من الكلمات المضحكة. اما القدس التي مازالت اسيرة فتلك قصة اخرى قد ارهقت نفسي وارهقتكم صعودا. لم اشأ ان يكون يوم عيدنا تباكيا على هموم الأمة ومشكلاتها ولكن أينما وليت وجهك فثمّ وجه السياسة، يداها في الشارع والميادين وقدماها في «صاجات» وأفران الكيك والحلويات، وملأت المكان أنفاسها الخبيثة.