تبعات الموت الأرخص
البشر تواقون لتجربة الطرق الجديدة في الحياة، بل وفي الممات وما بعده أحياناً. ربما يعرف كثير منا أن الأمريكيين ذوو ثقافة دينية مسيحية محافظة في المعتاد؛ ويتبع ذلك بالطبع، أنهم يسعون إلى دفن موتاهم على الطريقة التي تفرضها التعاليم الدينية للكنيسة، التي يتبعون إليها. لكن الاتجاه الجديد، في حرق الجثث، الذي قوي بين الأمريكيين بدءاً من أواخر القرن الماضي غريب وسريع الانتشار في مجتمع اعتاد على اتباع تقاليد ثابتة في أغلب شؤون الحياة، وتطورات لا تختلف عن سابقاتها إلا في التفاصيل. فقد بلغ من اتبع هذا الاتجاه في التعامل مع الموتى سنة 1998م ما نسبته 24% في الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل إنه قد تصاعدت النسبة كثيراً في بداية العقد الثاني من هذا القرن، لتصل إلى 42،2% في سنة 2011م، حسب احصاءات الجمعية المعنية بهذا النشاط Cremation Association for North America (CANA)، موثقة بشهادات الوفاة، والمعلومات المعطاة عن كل حالة.ما يتبقى من الجثة، فإنه يصبح مسحوقاً سهل النقل وإعادة التعبئة في أي من الهيئات، التي يرغب فيها عميل الشركة المتعهدة؛ وربما الشيء الذي سيبقى بعد تلك الإجراءات هو الأسلاك أو الأجزاء المعدنية، لمن يكون قد أجرى عمليات في حياته تتطلب بقاء تلك العناصر. وتتم إزالتها قبل نقل المسحوق المتبقي. عمليات فلترة معتبرة !فلماذا حصلت هذه القفزة الكبيرة؟ بل إن النسبة الأولى أيضاً في نهاية القرن الماضي كانت كبيرة. فأصول هذه الطقوس متجذرة في الهندوسية، كما وجدت أيضاً عند اليونان قديماً، وقد مارسها أيضاً الرومان، بالإضافة إلى ذلك وجدت لدى الهنود الحمر (أهل البلاد الأصليين)، لكنها لم تتأسس فعلياً في الولايات المتحدة، إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبأعداد صغيرة في بعض الولايات البعيدة. في الواقع ان ما دعا الأمريكيين إلى ذلك النهج حسب الاستطلاعات، التي أجرتها الجمعية هو قلة تكاليف تلك العملية، مقارنة بعملية الدفن، وما يتبعه من تجهيزات ودعوات تكلف أهل الميت كثيراً من المال. وقد درج الأمريكيون في العقود الأخيرة على محاولات انقاص التكاليف في كل شيء. والنسبة التي تختار هذه الطريقة قد وصلت في بعض الولايات إلى ما يقرب من 70%؛ وتؤكد مصادر تلك الجمعية أنه إذا استمر هذا التصاعد، فإن نصف الشعب الأمريكي سيختار الإحراق بالنار على الدفن بحلول عام 2017م. الجدير بالذكر أن ما يدفع المواطنين إلى اختيار هذه الطريقة عاملان؛ أحدهما ضعف الارتباط بطقوس المجتمع الدينية، وتحولهم عن التصديق بكل فوائد تلك الممارسات، والآخر هو قلة تكلفة هذه الطريقة، حيث تصل إلى ثلث تكاليف الطرق التقليدية؛ وما يؤكد أن الجانب الاقتصادي مؤثر في الأمر، أنه قبل 2008م (السنة التي ضرب فيها الكساد الاقتصاد الأمريكي) لم تكن نسبته في العموم تتجاوز 36،2%، إلى أن وصل الأمر في سنة 2011م إلى أن كل ولاية قد أنشأت مواقع جديدة للحرق غير التي كانت فيها. لكن ما يدفع المؤسسات المتزايدة، التي تقوم على تلك العمليات هو شيء آخر؛ إذ انفتحت آفاق لاقتصاد جديد، نشأ عن قوة هذا الاتجاه. فبالإضافة إلى أن جزءاً من أولئك الزبائن يرغبون في ذر رماد الجثة بعد حرقها في المحيط، إلا أن أعداداً أخرى ترغب في الاحتفاظ بالرماد لديها. ومن هنا نشأت صناعة جديدة لأدوات يحفظ فيها رماد الجثة؛ منها ما يكون على شكل صناديق مجوهرات، أو في مخازن أسلحة شخصية كالبنادق والمسدسات، أو في كرة سلة، أو مزهرية، أو تحفة على شكل حيوان أو طائر، أو جهاز موسيقي قديم، أو في حذاء جلدي طويل (من أحذية الكاوبوي)، أو مجسم على شكل قلعة ... إلخ. أما في الإجراءات المتبعة، فإن الجثة تُدخل إلى الفرن، الذي تجري فيه عملية الحرق بكامل هيئتها. مما يؤدي إلى بعض حوادث استثنائية للمعامل نفسها، مثل ذلك الذي حدث في النمسا سنة 2012م، عندما أدخلت امرأة بدينة جداً (وزنها 200 كلغم) إلى الفرن، ومع وصول النار إلى جسدها تطايرت الزيوت إلى فلاتر الفرن وسدتها؛ ما أدى إلى تدمير الوحدة بكاملها. لكن الإجراءات الأمريكية قد ثبتت معايير محددة، منها أن تتحمل تلك الوحدات جثثاً تصل الواحدة منها إلى 454 كلغم. أما ما يتبقى من الجثة، فإنه يصبح مسحوقاً سهل النقل وإعادة التعبئة في أي من الهيئات، التي يرغب فيها عميل الشركة المتعهدة؛ وربما الشيء الذي سيبقى بعد تلك الإجراءات هو الأسلاك أو الأجزاء المعدنية، لمن يكون قد أجرى عمليات في حياته تتطلب بقاء تلك العناصر. وتتم إزالتها قبل نقل المسحوق المتبقي. عمليات فلترة معتبرة !