رمضان حالة نظرية
قدم رمضان والجميع مشغول بالتحضير له أكلاً وشرباً ودعوات بل وحتى تجهيزات سمعية وبصرية استعداداً، لكن استعداد لماذا؟ هل هو استعداد لموسم العبادة أم موسم الأكل أم لموسم مسلسلات الدراما التلفزيونية أم لموسم «التفرنقع» العربي؟ جميل أن ترى التحضيرات التي تنم عن الاهتمام بالآخرين في هذا الشهر الفضيل مثل الاجتماعات الأسرية و»الغبقات» العامرة وموائد تفطير الصائم والحرص على إخراج الصدقات والزكوات، لكن أليس جديرا بكل هذا الهيجان لأطراف مسلمة فيما بينها أن تتوقف؟! ولم لا تتوقف وكل الأطراف ستصوم وستعطش طاعة لله تعالى ثم تتقاتل! أدرك أن وقت السماع للمواعظ قد فات وأن الكل مشغول بتحقيق ما يظن انه هو الطريق الأصح، لكن يجدر بنا أخذ المعاني السامية للصوم والعمل بها روحاً وبعمق وليس الامتناع عن الطعام والشراب ثم الانشغال والاشتغال ببعضنا البعض. حتى إن تركنا السياسة ودهاليزها المليئة بالمزالق والمتاهات سنجد تجاراً يرفعون أسعار سلعهم في رمضان بل هم يستقبلونه برفع أسعار بضائعهم وفي ذات الوقت يرفعون لوحات مزركشة تقول «رمضان كريم»! هل معنى عبارة «رمضان كريم» بتعظيم مكاسبهم برفع الأسعار دون وجه حق؟ إن كان التاجر سيزيد من صدقاته في رمضان بل وقد يخرج زكاته في رمضان فلم لا يمتنع عن رفع أسعار سلعه في رمضان؟ أليس هذا من البر؟ وبالقطع لا أحد يطلب من التاجر أن يخسر، لكن ليمتنع ان منافاة معاني الشهر الفضيل بالامتناع كذلك عن ممارسة الجشع، وإلا سيكون رمضان حالة نظرية بمعنى أننا نتحدث عنها ولا نمارسها ولا نعيشها، والمعايشة هي العنصر الأجمل؛ تصور كيف سيعود اليافع إلى منزل أهله وقد صرف فترة ما قبل الفطور يوزع الماء والتمر على المارة؟ سيعود وهو مفعم بالرضا والسبب – ورغم أن ذلك قد زاده عطشاً وجوعاً وربما كلفه مالاً - إلا أن فيما فعله طاعة لله سبحانه ثم إدخال السرور والبر بالصائمين. كذلك من يمدّ موائد تفطير الصائمين هو يدفع مالاً محتسباً الأجر، وهكذا فإن التاجر الذي يعايش الشهر الفضيل ثم يقرر ألا يزيد نسبة أرباحه عما كانت عليه قبل دخول الشهر، أو يقرر مثلاً أن يقدم تخفيضات للمحتاجين، فهذا التاجر يعايش معاني الشهر الفضيل. لكن ما نراه في العديد من الأسواق هو حالات من الغبن القراح، بما في ذلك استباق الشهر بإخراج المخزونات من البضائع القديمة سعياً لبيعها! تنظر إلى بعض تلك السلع فتجد أن تاريخ الصلاحية قد أوشك على الانتهاء، وتتساءل: لماذا؟ وبالمقابل تجد بعض الجمعيات الخيرية قد شمر مطوعوها عن سواعدهم فأحصوا الأسر المحتاجة واستبقوا قدوم الشهر بتقديم العون. هناك صور مشرقة تجسد الممارسة النابعة من معاني شهر رمضان وبالمقابل هناك من ينتهز الشهر لتحقيق المكاسب كيفما اتفق مستغلاً اقبال الناس معتبراً ذلك من «جود السوق» متمثلاً القول الشعبي «جود السوق ولا جود البضاعة» فيرد على جود السوق ببضاعة رديئة ليضاعف مكاسبه. أعود لما بدأت به، ان الاحسان مطلوب في هذا الشهر الفضيل وليس من الاحسان التناحر والتقاتل والتباغض والتكاره واستغلال بعضنا بعضا.. بل من الاحسان أن نتمثل المعاني السامية لهذا الشهر لنلتئم ونتجاوز وننشغل بما فيه خير..