إن فاتك اللحم لا يفوتك المرق !
اللحم هو السياحة والمرق كناية عن الخدمات الرديفة مثل النقل الجوي على سبيل المثال لا الحصر. في الصيف يعود المغتربون إلى بلادهم ويقصد السياح بلاداً غير بلدانهم فتنشط حركة الطيران. السياحة عندنا تفوت فرصاً هائلة لسبب واحد أساس: أننا لا نستغل ما بين أيدينا من فرص، فمساهمة «ضئيلة» تقل عن 3 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي للمملكة لا يمكن أن تكون مرضية. مقدرات السفر والسياحة لدينا هائلة لكنها مهملة، فمثلاً لن أفهم أبداً لماذا يترك الوافدون والسعوديون «الخطوط السعودية» ويختارون سواها إلا لوجود سبب رادع؛ قد يكون السعر أو جودة الخدمة أو كلاهما. وبغض النظر، فتفويت الفرص التي تؤدي لانعاش ونمو الاقتصاد الوطني لا يمكن أن تكون مقبولة كواقع..إذ هي تنطوي على «تقاعس»، وليس أقل من ذلك. أما من المسئول عن هذا التقاعس فأمر يستحق التأمل العميق من جهات الاختصاص، وبعد أن تتأمل عليها أن تتخذ خطوات لإزالة التقاعس دون تأخير. أذكر أنني كنت في طريقي للدوحة في رحلة للخطوط القطرية في عطلة الربيع عبر مطار الملك فهد لأجد الرحلة مكتظة بشباب سعوديين، أخذت أدردش مع أحدهم فأخبرني انهم مبتعثون في طريقهم لواشنطن في الولايات المتحدة عبر الدوحة! الشق الذي يستعصى على الفهم هو: إن كنا نملك الطلب على السفر فلماذا لا نستطيع أن نوجد منظومة محلية قادرة على تقديم خدمة منافسة؟ ولماذا نتخلى عن الفرص التي يولدها اقتصادنا ببساطة وبدون بذل جهد حقيقي للمنافسة؟ هل هو زهد مرده أن بضعة مليارات «طفسة» ولن تحدث فرقاً إن ذهبت يميناً أو يساراً؟ أم أنه استسلام بأننا لن نستطيع المنافسة فلم نحاول؟! وفي كلتا الحالتين فالاجابة لا يمكن أن تكون مقنعة، وإن كان ثمة من يعتقد أن نهاية المطاف لتوليد القيمة المضافة لقطاع الطيران الجوي هو ما تقدمه حالياً الخطوط السعودية فهو لاشك مخطيء، بل مغرق في الخطأ؛ الخطوط السعودية كان يفترض ان «تخصص» منذ سنوات طويلة وهو ما لم يحدث حتى الآن، ما خصص كان بعض الخدمات الثانوية. علينا أن نعود ثانية إلى تنفيذ مطلب خصخصة الخطوط السعودية بل وشطرها إلى شركتين اثنتين على الأقل؛ الأولى للداخل والثانية تنافس عالمياً. ولا يمنع فتح الأجواء للخطوط الشقيقة في دول مجلس التعاون ولكن ليس حتى «يهلك» الناقل الوطني ويفنى بل حتى يقوى ويثبت أنه منافس والسبب أن الفرص الواعدة لا يمكن أن تترك، فمادامت منظومة الطيران المدني الحكومية لا تستطيع أن تقوم بالمهمة فليس أقل من خصخصتها، وإن كان ذلك متعذراً لسبب أو لآخر فليس أقل من فتح المجال لتأسيس خطوط وتمكينها من المنافسة. الحديث في هذا المجال يطول، لكن إن كانت الخطوط الاماراتية والاتحاد والقطرية والعمانية والعربية والجزيرة والأردنية والمصرية والتركية تأتي وتحمل ملايين الركاب من الأراضي السعودية وتنقل لأرجاء المعمورة، فلماذا لا نستطيع نحن؟ خلال سنوات قليلة تغيرت خارطة خدمات الطيران الجوي في منطقة مجلس التعاون وخرجت من رحم هذه المنطقة ثلاث شركات طيران عملاقة تستحق الاشادة والاعتداد والاحتفاء وهي الاماراتية والاتحاد والقطرية، بالنسبة لنا الخيار واضح: إما رصاصة الرحمة على ناقلنا الوطني أو مبضع الخصخصة ليعيد هيكلته، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن لأي مؤسسة أن تخصخص نفسها بنفسها لنفسها وعلى «أقل من مهلها».