انه صراع بين ثقافتين
ليس جديدا أن نقول إن في كل بلد ثقافتين كل منهما في صراع مع الاخرى، وهذا ما ضرب له التاريخ أمثلة في جميع عصوره منذ خروج الفكر الانساني من الاسطورة الى الفلسفة وها نحن الآن نشهد هذا الصراع في واقعنا العربي. الربيع العربي ربيع إنساني ولذا فانه لابد أن تتنازعه هاتان الثقافتان: ثقافة يتجه نظرها إلى المستقبل وأخرى نظرها متجه إلى الماضي أي بين ثقافة السمع والطاعة وثقافة التفكير الحر. ثقافة تلقين الماضي للحاضر على الرغم من تجاوز التاريخ لمفاهيمها وقيمها وبالتالي سلوكها العملي والذهني.. الا انها ثقافة مستقرة في النفوس لعدة قرون وبذلك أصبحت قناعات راسخة وعقائد ثابتة وسلوكا يدان أي خارج عليه. الثقافة الماضية نشأت واستقرت بصوابها القليل واخطائها الكثيرة تحت رعايتين هما رعاية السلطات السياسية ورعاية الوعاظ المتحالفين معها أي تحت ضغطين وهما اذا اجتمعا كفت الاعين عن الرؤية.. الأمر الذي اوضحته الفلسفة اليونانية. واذن فالخطأ عندما يتحول الى قناعة وقدسية لا يكون في عين صاحبه خطأ بل يقينا يدافع عنه بكل غريزة بدائية.الربيع العربي فجرته ثقافة جديدة هي ثقافة تطمح الى بناء مستقبل تنضج القناعة بقيم أخرى غير تلك التي تحملها الثقافة السائدة.. ولكن الوصول الى نضج تلك القناعة ليس سهلا.. ان امامه عوائق عصيبة: أولها الثقافة السائدة المستقرة منذ قرون وثانيها فشل الاحزاب المدنية في بلورة فلسفة واضحة للوصول إلى الناس واقناعهم بضرورة التغيير.. وقد يكون قمع السلطات عذرا مقبولا لعدم الوصول الى الناس ولكن هذا العذر يعجز عن تبرير تلك الفلسفة... لقد كان تركيز الاحزاب المدنية متجها الى الافراد فقط وبقيت الثقافة السائدة تفعل فعلها في الجماعات دون التفات من الراغبين في التغيير. من يشاهد الشعارات المرفوعة من الثقافتين يعتقد انه لا فرق بين الطرفين: فالعدالة والحرية والمساواة يرفعها الجميع.. هذا صحيح ولكن الفرق يكمن في تعريف كل جهة لهذه المفردات الثلاث. يقول الشيخ حسن البنا: «ان الاسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وروحانية وعمل ومصحف وسيف».