محمد العصيمي

تجارة الدين أم دين المتاجرين ؟!

أيام زمان كان الشيخ الفاضل في حارتنا أكثر الناس زهدا وتعففا وتأففا من إقبال الناس على الدنيا الفانية، التي هي مجرد مزرعة للآخرة الباقيه. وكنا إذا أردنا أن نضرب مثلا أو نشير إلى (قدوة) نستحضر هذا الشيخ الوقور الرائع الهامس، لفظا وفعلا. وكان غيره من مشائخ ذلك الزمان، ولا يزال منهم بقية حتى الآن، يتسابقون إلى إظهار إنصرافهم عن الدنيا والانشغال بالباقيات الصالحات، بل قد يكون بمقدورهم تحصيل هذا المغنم أو ذاك لكنهم، إمعانا بالتقليل من شأن الدرهم والدينار، ينصرفون بمنتهى الحياء والأريحية عن كل ما يمكنهم الاستغناء عنه.هكذا كان شأنهم، فما هو شأن بعض، إن لم أقل أغلب المشائخ الجدد أو النجوم الجدد، الذين يستثمرون حضورهم وأصواتهم ومحاضراتهم وكل ما ينطقون به أو يفعلونه، لبناء الأرصدة وتحصيل ما يقدرون عليه من الدراهم وكأنهم في سباق محموم لتحقيق مزيد من الانتصارات المالية ؟! لست هنا أحرم أو أحلل أو أُكرّه أو أحبب، وإنما أنا فقط أتساءل عن غياب ذلك (الورع) الذي عُرف به طلبة العلم وحفظة القرآن والمقتدون بزهاد السلف الصالح.وسؤالي، أيضا، ليس من باب إنكار حق هؤلاء النجوم بما يحصلون عليه أو يشترطونه من أثمان لقاء مشاركاتهم، وإنما هو محاولة للبحث عن تفسير لدخول النصوص الدينية، محاضرات أو أناشيد أو توجيهات، في حراج هائل يفوز به من هو أذكى أو من يدفع أكثر. وهذا، بطبيعة الحال، يُدخل جماهير المتلقين، بشكل مباشر وغير مباشر، في دائرة من عدم الثقة بهذا أو ذاك مما قد يتسبب في إطلاق اتهامات تختص بالمتاجرة بالدين، وهو الاصطلاح الذي بدأنا نسمع به أكثر، على مستوى العالم العربي كله، في السنوات الأخيره.ولذلك فإن كل ما نريده، لتجنب المطبات، هو أن نفهم أو أن نعرف من يُحسب على المجتهدين الورعين الزاهدين ومن يُحسب على التجار والمضاربين في بورصة السوق المفتوحة على مصاريعها.. من حقنا أن نفهم.