د. مبارك الخالدي

عن حارقات 'الستيانات' وتتويج شيلا سبت

التاريخ 7 سبتمبر 1968م، الحدث: مهرجان ملكة جمال امريكا في أتلانْتِك سيتي. ويظهر في الصورة حوالى( 400 ) ناشطة ينتمين الى حركة تحرر المرأة، جئن إلى المدينة بالسيارات والباصات ليتظاهرن ضد المسابقة، ويوزعن المناشير التي تندد بها. وتبلغ المظاهرة ذروتها برمي المتظاهرات مجلات البلاي بوي، وكوزموبوليتان  وأواني وأدوات تعذيب واستغلال الأنثى على حد قولهن (الرموش الصناعية والأحذية عالية الكعوب و المُجَعِّدَات والماكياج والستيانات) في برميل كُتِبَ عليه "برميل قمامة الحرية" (  Freedom Trash Can). ودخلت تلك المظاهرة في التاريخ الأمريكي باسم مظاهرة حرق الستيانات/الحمّالات، والحقيقة انه لم يحدث أي حرق، فالمحتجات  لم يحرقن حمالاتهن ولكن الصحافة أعتبرت رميها في برميل القمامة حرقا مجازياً ورمزياً  مشبهة ذلك بحرق بطاقات التجنيد للحرب في فيتنام من قبل المعارضين لها، وهكذا صار لقب حارقات الستيانات (bra burners) يلاحق النِسْوِيَات.وفي نفس اليوم، وفي موقع آخر بالمدينة، كان ناشطو وناشطات حركة الحقوق المدنية السود منخرطين في تظاهرة ضد المسابقة، بطريقة مختلفة. فبدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج والتنديدالعالم كله أصبح خشبة مسرح، ركحاً، لمسابقات الجمال بأنواعها المختلفة. ومنطقة الخليج العربي، البقعة  التي لا يتخيل أحد وصول (عدوى) مسابقات الجمال اليها ، أصبحت جزءاً من هذا الركح، كما يبدو من مشاركة الفتاة البحرينية شيلا سبت في مسابقة جمال الشرق الأوسط وفوزها بلقب ملكة جمال الشرق الأوسط، وتأهلها لمسابقة ملكة جمال العالمبمسابقة ملكة جمال أمريكا، نظموا مسابقة ملكة جمال أمريكا السوداء، في مناهضة لعنصرية المسابقة الأولى القائمة على معايير ومثل الجمال الأمريكية الأوروبية، وترسخ وتروج نموذجاً واحدا للجمال متمثلا بالمرأة البيضاء،  خصوصاً ذات الشعر الأشقر والعيون الزرقاء الواسعة والأطراف الطويلة النحيلة. كانت مسابقة السود، التي فازت فيها سوندرا ويليامز (19 سنة)، فعل رفض ومقاومة لهيمنة الثقافة الأنجلوساكسونية بمعاييرها ومفاهيمها وتصوراتها عن الجمال، وتأكيداً لأنّ الأَسْوَدَ جميلٌ ايضاً (Black is beautiful.).وشهد العام 1991، صدور  كتاب نعومي وولف (أسطورة الجمال: كيف تُستخدمُ صورُ الجمال ضد النساء)، والذي يمثل امتدادا للجهد النضالي والنقد الثقافي النسوي لتقويض اسطورة الجمال التي تروجها المجلات النسائية والإعلانات والأفلام والمسلسلات والثقافة الشعبية، والتي تدفع المرأة الى كره الذات واليأس عند الإخفاق في بلوغ مثال الجمال الكامل.بعد كتاب وولف بخمس سنوات(1996)، اصدرت كُولين كُوهِن وريتشارد وِلك وبيفرلي ستولجه كتابهم( ملكات الجمال على المسرح العالمي: الجندر والمسابقات والقوة). تدل الدراسات الثلاث عشرة التي يتألف منها الكتاب   على التحول الكبير الذي حدث في الموقف من مسابقات الجمال. فبعد أن كانت هدفاً للإحتقار والرفض  والنقد من الأكاديميين والباحثين اصبحت في بؤرة إهتمام العديد منهم، مع اتساع الرقعة الجغرافية لهذا الاهتمام، كما يستنتج من رصد هذه الدراسات لمسابقات الجمال في 13 دولة، من بينها دراسة مارك جونسون لمسابقات الجمال للرجال المسلمين المتشبهين بالنساء في جنوب الفلبين.العالم كله أصبح خشبة مسرح، ركحاً، لمسابقات الجمال بأنواعها المختلفة. ومنطقة الخليج العربي، البقعة  التي لا يتخيل أحد وصول (عدوى) مسابقات الجمال اليها ، أصبحت جزءاً من هذا الركح، كما يبدو في مشاركة الفتاة البحرينية شيلا سبت في مسابقة جمال الشرق الأوسط وفوزها بلقب ملكة جمال الشرق الأوسط، وتأهلها لمسابقة ملكة جمال العالم. إن عدم تخيل حدوث ذلك، هو ما جعل خبر فوزها الذي نشر في (اليوم) يحظى بـ(86) تعليقاً، حجب منها (18) تعليقا لمخالفتها قواعد النشر. وانقسمت التعليقات الباقية بين مؤيد لها (20 ) تعليقاً، ومعارض لأسباب دينية واجتماعية (18) تعليقاً، واكتفى الباقون والباقيات بالتنويه إلى أن هناك من يتفوقن عليها في الجمال، أو الإفتخار بجمال السعوديات، أو التذكير بأنها الأجمل بين من شاركن.تضيق المساحة وفي الذهن الكثير من الكلام، ومنه تساؤلات عن موقف   النسويات الخليجيات من هذا الحدث غير المسبوق،  وعما إذا كُنّ كنظيراتهن الأمريكيات، يرين في مسابقات الجمال إمتهاناً وإستغلالاً للنساء، أو يعتبرن المشاركة فيها شأنا فردياً لاينبغي التدخل فيه مراعاة للحرية الشخصية، ومبدأ عش ودع غيرك يعيش!