د. فالح العجمي

منطق الأشياء ونشأة الثقافة الخاصة

للبشر علاقة خاصة بأشيائهم، ينشئون علاقات بينهم وبينها، ويدرجونها في رؤيتهم للعالم. وما هو مستقر في منطق الأشياء، أن المعايير الاجتماعية التي يضعونها لتنظيم علاقتهم بها لا تكون خاضعة للمساءلة؛ فالناس قد تحدثوا وكتبوا كثيراً في مراحل التاريخ المختلفة عن سذاجة العيش في أقفاص الأدوار الاجتماعية المفروضة، لكن مهمة تغيير تلك الأدوار صعبة جداً. وهو أمر ممكن، أن تتغير الأدوات المستخدمة، التي يفرضها المجتمع، لكن الأدوار تبقى كما هي ثابتة، لأنها ليست عملية سهلة أن تتغير دون أن تتأثر تلك العلاقات.  كما أن العبودية للأنماط ليست محصورة في المستوى الوطني؛ فأي جماعة من الناس يمكن أن يتفاعل أفرادها بعضهم مع بعض، تكون عرضة لضغط الأقران: فالتأثير في كل فرد ليتبع سلوكاً محدداً، أو يفكر بطريقة بقية المجموعة، ينشأ في كل كيان له سمات اجتماعية وسلوكية متميزة. ومثل هذا الضغط هو ما ينسب إليه إقحام الأطفال في ممارسة التدخين، أو الإدمان على المخدرات، أو الانضمام إلى العصابات، لكن الكبار أيضاً يكونون عرضة لمثل تلك الإغراءات. لذلك، فإن المدمنين على الكحول، الذين يقلعون عنه، أحياناً يتخذون قراراً بترك أصدقائهم الذين يتناولون الكحول، ليهربوا من ضغط الرفاق الداعي إلى معاقرة الشراب، كما ينضم بعضهم إلى تنظيمات مكافحة الإدمان من أجل التعرض لضغط إيجابي باتجاه الابتعاد عن الإدمان عليه.في الشرق العربي – الإسلامي يوجد ملصق مماثل في الوظيفة، ومختلف في الاتجاه؛ حيث يتهم من يتعامل مع الغرب بإنصاف، أو يحلل بعض الأمور الرئيسة في قضايا الشرق بشيء من العقلانية، أنه من عملاء الغرب، أو أنه من دعاة التغريب. وهنا تخلو الساحة لصناع هذه الأيديولوجيايدخل في هذا الإطار ما أصبح يعرف في كل من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ودراسات الثقافة البشرية "بالثقافة الفرعية" أو "الثقافة الخاصة" (subculture). وتتمثل في مجموعة من الناس أو المؤسسات المتميزة في إطار ثقافة عامة تختلف عنها (سواء كانت تميزاً ظاهراً أو بكونها ثقافة مخفية)، لكنها تختلف عن تلك العامة، التي تتبع هي إليها . حيث تصبح القيم، التي تتبع تلك الثقافة الفرعية (أو الخاصة) أيضاً قيماً خاصة بتلك المجموعة أو المؤسسة. ويمثل الثقافة الخاصة محلياً شركة أرامكو، التي مثلت ثقافة العمل فيها نمطاً خاصاً، يختلف عن ثقافته في البيئة المحيطة، أو في المناطق أو المؤسسات الأخرى (حكومية كانت أو خاصة).  ويمكن أن تعد الثورة الجنسية في الستينات مثالاً حياً على هذه الظاهرة عالمياً في العصر الحديث، حيث حدث تمرد على القيم المفروضة آنذاك في المجتمعات الغربية، ورفض للمعايير المؤطرة للتعامل بين الجنسين؛ وخاصة في بيئات المدن على وجه الخصوص في كل من أوربا وأمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وجنوب أفريقيا وغيرها من المدن، التي امتد إليها ذلك الاتجاه. فمن أمثلة تلك القولبة لأصناف الناس، الذين لا يتماهون مع برمجة الأنماط المنتشرة، ما نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية خلال حقبة الحرب الباردة من إدراج كل خارج عن النسق الرأسمالي الغربي بأنه متواطئ مع العدو التقليدي للحضارة الغربية (الكتلة الاشتراكية آنذاك)، وهي الظاهرة التي أطلق عليها "المكارثية" نسبة إلى جوزيف مكارثي. وهو اتجاه سياسي ظهر في الخمسينات، وأصبح ثقافياً فيما بعد، كان يهدف أساساً إلى تشديد الرقابة على الشيوعيين وأعوانهم داخل الولايات المتحدة الأمريكية. ثم أصبح يطلق على من لا يقف في الصف الوطني خلال تداول الأمور الوطنية المصيرية، أو يعتقد بأنه يسعى إلى التشكيك في قدرة الولايات المتحدة على الصمود في وجه الاشتراكية (أو الشيوعية على وجه الخصوص). وثقافياً أصبح شماعة للتشكيك في ولاء الناس لأوطانهم، أو اتهامهم بالخيانة أو العمالة وغيرها من التهم الجاهزة، وغير المبنية على بينة.  وفي الشرق العربي – الإسلامي يوجد ملصق مماثل في الوظيفة، ومختلف في الاتجاه؛ حيث يتهم من يتعامل مع الغرب بإنصاف، أو يحلل بعض الأمور الرئيسة في قضايا الشرق بشيء من العقلانية، أنه من عملاء الغرب، أو أنه من دعاة التغريب. وهنا تخلو الساحة لصناع هذه الأيديولوجيا، الذين يريدون نشر هذه الأنماط، لكي ينأى بعض من يقتنعون بأفكار لهم منصفة للحضارة الغربية، أو نوايا بعض الغربيين، عن نشر قناعاتهم تلك، خوفاً من التهم الجاهزة بالعمالة والانحياز إلى المؤامرة الغربية. وهي، وإن كانت ظاهرة شائعة في حالات ضعف المجتمعات وعجز ثقافاتها عن مسايرة الآخرين، فإنها تتخذ كل مرة لبوساً مختلفاً، من أجل أن تسيطر باستمرار على عقول البسطاء، وتصرفهم عن ضعف المنتج الثقافي للنخب المتسلطة.