د. فالح العجمي

في الأحساء والرياض .. عام الفتح والنصر

ليس لهذا الموضوع علاقة بالآية القرآنية : "إذا جاء نصر الله والفتح"، ولا بالمصادر العربية أو الأسماء المصوغة منها عند العرب في تفاؤلهم المفرط وتسمياتهم المبهجة، التي لا تمت غالباً إلى الواقع بصلة. موضوع اليوم مرتبط بالفريقين الرياضيين في دوري كرة القدم السعودي "الفتح" و"النصر"؛ وأقدم اسم الفتح بسبب تقدمه الترتيب في صدارة الفرق السعودية. ولا يظنن أحد أن الموضوع تحليل رياضي، فلست ناقداً رياضياً، وخبرتي في فنون كرة القدم لا تتجاوز مشاهدة المباريات الجميلة، وقد خلت منها ساحاتنا، فأصبحت اسبانيا وبريطانيا موطني جذب لكثير من عشاق هذه اللعبة.

ومن كان يتابع بعض المنتخبات الأوروبية، خاصة المنتخب الهولندي في الثمانينيات، والألماني في التسعينيات يدرك تلك القيمة للعمل الجماعي، والإخلاص في التعاون، وبذل أقصى ما يمكنه كل فرد منهم. حتى ان بعض تلك المنتخبات لم تكن تملك نجماً أو نجوماً يشار إليهم بالبنان، لكن تكاتفهم تفوق على النجومية وحقق المعجزات. ما الذي جعل هذين الفريقين يبرزان في هذا العام؟ طبعاً مع اختلاف في الموقع، وزاوية الرؤية؛ فالأول تصدر ترتيب الدوري منذ بدايته، وبقي محافظاً عليه إلى هذه المرحلة المتقدمة من عمر الدوري، مع تشكيك بعض النقاد في الدور الأول في أن يستطيع الحفاظ على تلك المكاسب، وتقديرهم بأنها فورة سيقل حماسها، وشعلة لابد أن يقل وهجها. ثم تتقدم الفرق القوية التي اعتادت على النفس الطويل، وعلى حصد البطولات بسبب إمكاناتها ودعم جماهيرها، ووجود احتياطييها من اللاعبين الذين يعوضون النقص الذي يحصل نتيجة الإصابات أو إجهاد الموسم الطويل. أما الآخر، فهو فريق بقي في الظل لسنوات امتدت إلى عمر جيل كامل، واختفى من منصة البطولات، بعد أن كان متواجداً فيها بقوة؛ يحل في المركز الأول أو الثاني في بعض البطولات المحلية، وينافس أيضاً في المسابقات الخارجية. كما كان يمد المنتخب بعناصره الفاعلة، ويحرص كثير من اللاعبين الشباب على الانتماء إلى صفوفه. ثم أصبح مستكيناً في المراتب الوسطى، ولم يتمكن بسبب تراجع ترتيبه من الترشح لأي مسابقة خارجية، فاختفى اسمه من السجلات الدولية، ولم يعد لاعبوه يعرفون المشاركة الخارجية، أو اللعب بعد انتهاء الموسم المحلي. وفجأة بزغ نجمه في الأسابيع الأخيرة، وعاد إلى مقارعة الكبار؛ فاستعاد مشجعوه روح الأمل، بأن يفكروا قريباً، بأن فريقهم سيحصل على بطولة تذكي الفرح في نفوسهم، وتجعلهم يحضرون مبارياته، وهم يتوقعون وهج اللعب الحماسي والحرص على الحصول على إحدى بطولات الموسم المحلي، واحتلال ترتيب يتيح لهم المشاركة في مسابقة دولية قارية أو إقليمية. ما العقدة التي كانت موجودة في فريق النصر، ثم انحلت، أو هي في طريقها إلى الحل؟ يبدو أن النصر كان يعاني من عقدة "فقدان الرمز" (أو المؤسس في التطبيق العملي)، والتي تمثلت في اختفاء رئيسه المحوري الأمير عبدالرحمن بن سعود، الذي كان يشكل كل شيء في النصر. فتعددت بعده القيادات، وتنازع أعضاء الشرف تباين الاتجاهات، فأصبحت البوصلة مفقودة في الفريق. ومن فرط تحكم هذه العقدة حتى لدى جماهير النصر، أنهم يئسوا حتى من الفوز على الهلال فقط، دون الطموح في الحصول على بطولة. وقبل مباراتهم الأخيرة مع الهلال، كانت قد انتشرت بعض النكت، منها أن أحد مشجعيه قال لأخيه : إذا فاز النصر على الهلال، فإني سأشتري لك آيباد. فقال الصغير : يا أخي، قل ما أبي أشتري لك، ولا تسوي رفضك بتحويلة. وما الذي كان مفقوداً في الفتح ثم تحقق، ليكون في المقدمة قبل الفرق العريقة ذات الإمكانات الكبيرة؟ هل هي الروح، أم التخطيط السليم، أم مزيج منهما؟ لست خبيراً في شؤون كرة القدم، لكن الحماس للشعار وروح الفريق له دائماً دور فاعل في صنع ما يشبه المستحيل. كما أن التخطيط الجيد، وتوظيف القدرات في أماكنها المناسبة، وبالقدر الملائم في كل ظرف من قبل المدرب والإدارة له فضل في الاستفادة القصوى مما يتوفر من إمكانات فنية، ليتغلب بها الفريق على أصحاب الإمكانات المادية. وأظن ذلك هو ما حدث في فريق الفتح الذي لفت الأنظار، وسار بعيداً في المشوار، متجاهلاً أصحاب المقولات البائدة بأن "الكبير يبقى كبيراً، حتى وإن لم يعمل ما يناسب كبره"! ومن كان يتابع بعض المنتخبات الأوروبية، خاصة المنتخب الهولندي في الثمانينيات، والألماني في التسعينيات يدرك تلك القيمة للعمل الجماعي، والإخلاص في التعاون، وبذل أقصى ما يمكنه كل فرد منهم. حتى ان بعض تلك المنتخبات لم تكن تملك نجماً أو نجوماً يشار إليهم بالبنان، لكن تكاتفهم تفوق على النجومية وحقق المعجزات.