غريبة الدار
كنت أشخص للموضع حيث سيمكث الجثمان، وأقلب شريط الذكريات وحديثي معها عن الشام وعن الحي القديم (القيمرية) حيث ولدت وترعرعت. كان حديثها متدفقاً فيه الكثير من الاعتداد بكل شيء يمت لبلدها ولأهله .. ولطالما تغنت بأهازيج شامية مغرقة تبرز مزايا بلدها وجماله وجمال أهلها.. بالنسبة لها لم يك يعدل الشام شيء.تُذكرني خالتي الراحلة بالزمن الشامي الجميل، الزمن الذي كان فيه السياسيون يتعاركون في انقلابات، آنئذ كانت معارك كراسي بين عساكر أكلتهم الرغبة في التنافس على الحكم وليس بين عساكر وشعب. هي تذكرني بالزمن الذي أدعوه جميلاً؛ فالطالما عقدت المقارنات عندما قدمت للأحساء قبل نصف قرن من الزمن وكيف أصبحت البلدات مدناً وتحول كل شيء بعد أن بعدت المسافات وكثرت المشاغل والضغوط. وبالمقابل، كنت أعقد لها مقارنات بين نهر "بردى" ونهر عين "الخدود" مداعباً، لكنها لم تقتنع قط بتلك المقارنة! أما حقيقة الأمر فقط غادرت في صباها غوطة دمشق حيث الخوخ والدراق إلى أم النخيل حيث الرطب الجني والتمر الندي. وجمال الزمن هنا فيما مضى من عقود ليس آتياً من الفقر والفاقة والشدة بل من البساطة المجبولة بعلو الهمة في مجالدة الحياة والنهوض لتحدياتها بطلب الرزق والارتحال من أجله. بل إن خالتي التي رحلت تذكرني بعصر ما قبل النفط، أو بعصر ما قبل أن يسلب النفط وعوائده شريحة عريضة منا تركت حِرَفاً أجدناها واقتصاداً نوعناه لنتقمص أعمالاً تدر علينا راحة وقلة عناء. وعندما نحكي قصص العقيلات من الأسر القصيمية التي ذهبت شمالاً أو قصص الأحسائيين ممن رحلوا إلى الشام للكد والكسب، فهناك من يستغرب أو لا يتصور كيف كان أهل هذه البلاد التي فاضت عليها الخيرات واستقطبت ملايين من الناس لطلب العيش هنا وأخذت توزع الاعانات والعطاءات لبلدان الدنيا..كيف كان أهلنا يرتحلون لبلدان الدنيا طلباً للرزق الحلال!إن فقدنا أشخاصا قريبين يستجلب أشرطة الماضي بحلوه ومره، ويجلب معه حنواً للحظاتٍ انقضت لكن الألم يعتصر قلبك عندما تفتقد شخصاً جمعتك به فيما مر من زمن لحظات وادعة في عناوين تشتعل الآن ناراً ودماً وخراباً من الغوطة بجمالها الأخاذ لقاسيون بإبائه وشممه.