د. مبارك الخالدي

ينـاير دبي نموذجًا !

في اليوم الذي نشرت فيه مقالتي السابقة (الأحد الماضي) عن السياحة، حملت إحدى الصحف السعودية التي تصدر في الخارج إعلانًا (ربما حملته صحف أخرى) لفعاليات يناير لمهرجان دبي للتسوّق 2013. تمدّد الإعلان المذكور على صفحتين باسطًا أمام عيون القراء جدولًا زاخرًا بما لذ وطاب، إذا صحّ التعبير، من الفعاليات الترفيهية والثقافية، التي أعدّتها دبي لزوّارها، أو بتعبير أدق، أعدتها دبي لتغري بها الناس لزيارتها، أو البقاء فيها.

اللافت أن الإعلان لم يتضمّن اية معلومات تفصيلية عن مهرجان التسوّق، ولا عن اي مشاركين أو رعاة وداعمين، ولا عن سلع أو تخفيضات، واكتفى بتقديم وليمة هائلة من الفعاليات؛ ليختار منها كل سائح ما يُشبع رغباته ويدخل البهجة والمتعة الى نفسه. بتعبير آخر، قدّمت دبي مهرجانها للتسوّق مغلفًا بسكر الفعاليات التي تستهدف كل الفئات العمرية من الناس، وتحاول أن ترضي كل الأذواق والميول والغايات سواء لدى قاطنيها او السياح الواضح استهدافهم من نشر الإعلان في صحف غير محلية.

قدّمت دبي مهرجانها للتسوّق مغلفًا بسكر الفعاليات التي تستهدف كل الفئات العمرية من الناس، وتحاول أن ترضي كل الأذواق والميول والغايات سواء لدى قاطنيها أو السياح الواضح استهدافهم من نشر الإعلان في صحف غير محلية. رأيت في إعلان دبي دعمًا وتأكيدًا لما اختتمت به مقالتي عن أن نجاح أي مشروع لتطوير السياحة لابد أن يأخذ في الاعتبار أن نجاحه يتوقف على الوفرة والتنوّع في الخيارات الترفيهية والسياحية  اللذين يمنحان السائح فرصة أن يمارس حريته في الاختيار، فالحرية هي الأس والصفة الأهم للسياحة بصفتها فعلًا يتجلى فيها نزوع الإنسان وتوقه الى الحرية؛ وبممارستها، يُعبّر عن حقه في الحرية وفي التمتع بها، فما السياحة في جوهرها سوى تجسيد للحرية وتعبير عنها في نفس الوقت، إذ تتيح للإنسان فرصة تحرير نفسه من تقييدات العادي والمتكرر واليومي، ومما يفرضه الأخير من مسؤوليات وواجبات؛ لينطلق في اتجاه كل ما هو جديد ومختلف وغريب ومدهش.  الحرية، كما ذكرت، شرط أساسي لتنمية وتطوير السياحة كصناعة ولممارستها كفعل إنساني أيضًا، ومن الصعب تصوّر تدفق الملايين، أو الآلاف من البشر  على الأقل، إلى أمكنة تتعرّض فيها الحريات الى التقييد، أو التي يُخْضَعُ  فيها الناس الى انواع متعددة من المجانسة القسرية. لا اتوقع أن تزدهر السياحة في فضاءات اجتماعية تهيمن عليها خطابات ايديولوجية بها مسّ من الزينوفوبيا مهما يكن نوعها ودرجة حدتها، ويسكنها الارتياب الدائم من الآخر الذي تتفنن في ابتكار كل معوّقات التواصل والتماس المفتوح والحر معه من أجل حماية ما تسمّيه خصوصيتها، أو تحاول حين التماس الاضطراري مع الآخر الى تلوينه بألوانها، وإلباسه لباسها، لتمويه آخريته واختلافه؛ ليظهر ولو في أقل درجة من التشابه مع المنتمين إليها كما ذكرت في المقالة السابقة.    الحرية، الأمن، الخدمات راقية المستوى والتسهيلات والتعدد والوفرة فيما يجذب السياح ((tourist attraction  مقوّمات النمو في القطاعات السياحية في كل مكان وكل زمان، وهو ما تعمل دبي على توفيره في سعيها الدؤوب الى أن تكون قبلة للسياح في المنطقة او العالم كله على السواء. ليس هذا الكلام مديحًا في دبي، أو الإيحاء بأنها النموذج المثالي للبلد السياحي في المنطقة العربية على وجه الخصوص، إنما لطرح مثال قريب ومجاور، من أمثلة يزدحم بها العالم لما ذكرته عن شروط نجاح السياحة وتطورها لتصبح صناعة وموردًا اقتصاديًا الى جانب الموارد الأخرى في أي بلد.وأخلص إلى القول ان تطوير السياحة المحلية يتطلب البدء من حيث انتهى الآخرون والإفادة من تجاربهم والطرق الى ذلك واضحة وسالكة، والإمكانات متوافرة. لكن هذا لن يحدث ما لم يتم التوقف عن خداع الذات والاعتراف بالعلاقة الوجودية بين السياحة والحرية، فمن المستحيل تحقيق نجاح كبير ودائم في اجتذاب سيّاح طبقًا للمواصفات والمقاييس المحلية. هذه المقاييس تحتاج للمراجعة  لأن السياح لا يمكن استيرادهم.