محمد العلي

المعنى الطائر

هل قرأت ما قاله ابن الرومي:أعانقها والنفس بعد مشوقةإليها وهل بعد العناق تدانيوألثم فاها كي تزول صبابتيفيزداد ما ألقى من الهيمانكان فؤادي ليس يرضي غليلهسوى انه يرى الروحين يمتزجانابن الرومي شاعر حسي بمعنى انه لا يعرف تجاوز الظاهر في معاناته الحياتية فهو الذي يقول عن نفسه:انا كالمرآة ألقىكل وجه بمثالهالانسان المرآة لا يعرف "الاستضاءة بنور غير مرئي" ليكون سورياليا ولا يعرف ان "العقل حجاب» ليكون صوفيا، ولا يعرف غير ان يعكس الاشياء مثل أي مقلد يحيله التقليد من كونه انسانا الى اشرطة للتسجيل.غير ان الابيات الثلاثة اعلاه تطرح معاناة غير حسية لابن الرومي.. انه يحاول اصطياد "المعنى الطائر" للاشياء.. المعنى الذي لا ينال الا بالاتحاد حتى "المحو" بين الذات والموضوع.. وهذا معناه تجاوز الحس الى حيث تأخذ الروح مداها في ارتياد الاودية المجازية.ولكن –بالله عليك– لماذا نكون واقعيين؟كيف نتجاوز الحس؟كيف نمحو المسافة بيننا وبين الاشياء؟هذه هي معاناة الانسان الوجودية كيف تتحد الذات مع الشجر؟ كيف تفهم لغة البحر؟ ويطربها منطق الطير؟ ورشاقة الورد؟ وحدائق الانثى؟ نعم كيف لا يكون المعنى هاربا عن الذات؟ هذه هي المعاناة الوجودية المحرقة.الاكيد ان "الحب" هو الذي يمحو المسافة بين الانسان وبين الاشياء من حوله.. وأكيد ان "الكره" هو الذي يقيم الاسوار بين الذات وبين كل معنى جميل حتى لو كان حسيا يتدحرج بين العينين.ولكن:بيننا وبين المعاني الطائرة مسافات لا يمكن حتى للسيد الهدهد ان يخترقها...