جلد العمالة الوافدة في فيلم «كروة» وغيره!
أميل شخصيا الى الاعتقاد بوجود أسباب أخرى دفعت الحمود الى تفضيل معالجة القضايا الاجتماعية بالشكل الدكيودرامي على معالجتها في افلام سردية تمثل امتدادا لتجربته التي توقفت، إلى الآن، عند فيلمه (داكن) الذي أرى أن الحمود أنجز فيه نقلة نوعية في تجربته في الإخراج ، أتمنى ألاّ يكون أدار إليها ظهره للأبد، إما بسبب الكلفة المادية لصناعة الافلام السردية، أو لقلة النصوص الجيدة، أو استسلاما لضغط الواقع الاجتماعي المتناقض في موقفه تجاه الفيلم والسينما عموما، لهذا يكون تركيز الحمود وغيره من المخرجين السينمائيين الشباب على «الدُكْيُودراما» بنوعها الجانح للمباشرة والوعظ محاولة لانتزاع الاعتراف بهم من المجتمع وكذلك بشرعية الفيلم حين استخدامه بطريقة نفعية بحتة في معالجة قضايا ومشاكل اجتماعية دون الاهتمام بكونه شكلا من أشكال التعبير له متطلباته وشروطه الفنية والجمالية.
إن البطالة، بدون شك، شيء سيئ وخطير في مجتمعنا وكل المجتمعات، ولكن تحميل العمالة الوافدة مسئولية وجودها شيء سيئ وخطير أيضا خاصة عندما يتطور الى نشوء وتفشي العداء للأجانب على غرار ما يحدث من ممارسات عدائية وعنصرية في بعض الدول الأوروبية تجاه المهاجرين العرب والآسيويين
مهما يكن السبب أو الاسباب التي جعلت الحمود يعود الى «الدُكْيُودراما»، ما أريد قوله ، وبصراحة قد تكون حادة، هو أن الحمود لا يحقق في (كروة) تجاوزا لفيلمه السابق إن على مستوى تطور تجربته في الإخراج أو على المستوى الفني أو على صعيد امتاع المشاهد؛ وهذا الأخير، هو المطلب الأول الذي يبحث عنه المشاهد، قبل أي شيء آخر؛ فالناس لا يذهبون إلى دور السينما للاستماع الى محاضرين أو دعاة. الشيء الآخر اللافت في (كروة) هو أن تورط الحمود في التكرار يوازيه تورط من نوع آخر أتمنى أن ينأى المخرجون الشباب بأفلامهم عنه: جلد الآخر أو جلد العمالة الوافدة، والذي أخشى تعبيره عن تولد مشاعر عداء تجاههم نابعة من تصور أنهم سبب البطالة، أو سببها الوحيد، على نحو يؤكد مقولة جيمس آهو:» إن أحد الأبعاد المحورية لأي عالم إنساني هو العدو، ذلك الذي يُحَمَّلْ المسئولية عن الأشياء السيئة في الحياة». إن البطالة، بدون شك، شيء سيئ وخطير في مجتمعنا وكل المجتمعات، ولكن تحميل العمالة الوافدة مسئولية وجودها شيء سيئ وخطير أيضا خاصة عندما يتطور الى نشوء وتفشي العداء للأجانب على غرار ما يحدث من ممارسات عدائية وعنصرية في بعض الدول الأوروبية تجاه المهاجرين العرب والآسيويين، وفي الولايات المتحدة تجاه المهاجرين، خصوصا الجدد، فيما يعرف بظاهرة الـ(nativism)، المتجسدة في المعارضة القوية للأقليات على اساس أصولها وارتباطاتها الأجنبية واعتبارها خطرا على القيم الأمريكية. جلد الأجانب في (كروة) تمثيل لجلدهم في الواقع، فالعمالة الوافدة في اليقين المجتمعي هي سبب البطالة، وسبب ارتفاع معدل الجريمة، وانتشار صناعة الخمور وأوكار الدعارة، ورواج المخدرات، وهروب العمال والخادمات، ووجودها بأعداد كبيرة يسبب التشوه لمدننا الجميلة والتدمير للمرافق الخدمية فيها. إننا إزاء عملية تطهير ضخمة للذات من الأخطاء والمسؤولية نمارسها بتحويل الوافدين الى كباش فداء. هذا ما يُلمس في أحاديثنا وفيما ينشر في الصحف المحلية. يتجه صحفي في مهمة لسوق الدمام أو البطحاء بالرياض، فلا يجد ما يضمنه في تقريره سوى انطباعاته عن شيوع القبح والقذارة والتدهور في البطحاء او حول عمارة سيكو بالدمام، اللتين تحولتا في نظره الى مستعمرتين أجنبيتين، كأنه ليس للوافدين الحق في أن تكون لهم أسواق ومطاعم وأمكنة للقاءاتهم وللترفيه عن أنفسهم. عودٌ على بدء، «كروة» ليس كبوة، ولكن تجربة قصرت جماليا عن سابقتها!