ضرورة المجهول «2»
في تاريخنا كله لم يكن اكتشاف المجهول المادي هما جماعيا ولا فرديا.. لأن ذلك يتطلب الصراع مع الطبيعة.. وكانت في نظر الجميع قضاء وقدرا لا راد له.. لذا اتجه الهم الى اكتشاف المجهول الروحي وهنا تشعبت الطرق.. وكان فهم النص هو الاساس لهذا التشعب.كان هناك من وقف عند ظاهر النص، وهناك من ركب اجنحة التأويل استنادا الى المجاز الذي يحمله النص.. وهناك من اعتبر النص وقفا على الذين لا يتدبرون ما وراءه.. وكانت الحركة الصوفية بكل مراحلها هي الظاهرة الواضحة لهذا الاهتمام.هناك من كفر الحركة الصوفية وكان ابن عربي هو الهدف الاول لكل سهام التكفير بل ان الكفر اصاب من لا يكفره او يشك في كفره (احمد عدنان – السعودية البديلة ص114).وهناك من التمس الاعذار لشطحاتهم مثل ابن خلدون الذي يقول في المقدمة «ص474»: (اما الالفاظ المموهة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها اهل الشرع فاعلم ان الانصاف في شأن القوم انهم اهل غيبة عن الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا بها بما لا يقصدونه.. الخ).ما قالته المقالة السابقة ان من يمتلك في ظنه الحقيقة المطلقة لا يؤمن بنمو المعرفة ويعتقد بانتهاء التفاعل الاجتماعي أي يعتقد بموت التاريخ.. لذا فهو يكفر الحركة الصوفية لانها تسعى الى اكتشاف النفس حسب كتاب منطق الطير لفريد الدين العطار.ولكن السخرية من الحركة الصوفية نراها في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري سخرية باذخة ليست موجهة للصوفية وحسب بل لكل حركة مفارقة للواقع.لندع كل ما تقدم لاحكام التاريخ ولنعد الى وضعنا الحاضر..نحن الآن في عجز تام عن اكتشاف المجهول المادي والاكثر بؤسا اننا عاجزون عن اكتشاف أي مجهول روحي.ما العمل؟