القدس وذبح البقرة
بلا وعي قمت أردد قصيدة نزار قباني المشهورةبكيت.. حتى انتهت الدموعصليت.. حتى ذابت الشموعركعت.. حتى ملّني الركوعسألت عن محمد، فيكِ وعن يسوعيا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياءيا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء.قمت أردد هذه القصيدة بحرقة وأنا ممسك بالريموت بقوة وأنا أشاهد الردود الفلسطينية الغاضبة نتيجة إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي حاجز رأس خميس شمال شرق القدس المحتلة والذي تسبب بعزل أكثر من 50 ألف مقدسي عن مدينتهم في استمرار لمخططات تهويد القدس. أذكر عند حضوري للمؤتمر العالمي التاسع للندوة العالمية للشباب الاسلامي الذي عقد بالرياض عام 2002 والذي كان حسب ما أذكر بعنوان الشباب والانفتاح العالمي والذي شارك فيه مجموعة كبيرة من العلماء والدعاة من مختلف دول العالم. كان المؤتمر يشتمل على عدة محاور وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة ضمن محور الثقافة السياسية للشباب . تكلم علماء عدة عن هذه القضية ثم تفاجأت بدخول الأستاذ خالد مشعل قائد الجناح السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والذي ألقى محاضرة مؤثرة عن القضية الفلسطينية كان ينتقد فيها اتفاقية أوسلو وعدم جدوى الحوار من إسرائيل ثم قبيل أن يختم قال كلاما لا يزال راسخا في ذاكرتي رفع القرآن وقال: لقد فاوض ربنا سبحانه وتعالى (بني اسرائيل) والوسيط كان موسى عليه السلام والمتفاوض عليه ذبح بقرة ومع ذلك جادلوا جدالا عجيبا فما بالكم بهؤلاء القوم يفاوضون العرب والوسيط ليس موسى وإنما أمريكا المنحازه أصلا إلى إسرائيل والمتفاوض عليه ليست ذبح بقرة وإنما أعظم شأنا وأغلى قيمة هي مسرى الرسول عليه السلام وقبلة المسلمين الأولى وأقدس مقدسات المسلمين فكيف يكون الحال.إن موضوع تهويد القدس ليس وليد الساعة وإنما مشروع خططت له إسرائيل منذ احتلالها عام 1967 حيث قامت السلطات الإسرائيلية بتوسيع حدود بلدية القدس وتوحيد المدينة إثر احتلال الجزء الشرقي وإنشاء حي يهودي على أنقاض جزء من حي المغاربة والقيام بعزل أحياء عربية كاملة على إثر إعادة ترسيم حدود المدينة. ومنذ ذلك التاريخ ووتيرة التهويد تزداد وتقل بحسب طبيعة الحكومة الإسرائيلية وطبيعة المجتمع الدولي.ثم يضيف هل: يتصور أن تكون هناك مفاوضات ذات قيمة بدون امتلاك أوراق قوة ثم استشهد بقوله تعالى (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) فإذا كان الله سبحانه استخدم التهديد والقوة على بني اسرائيل لأخذ العهد عليهم فهل يتخيل أنه يمكن استعادة القدس بدون أوراق قوة. لم يكن مؤتمر مكة الأخير، الذي جاء بعد تصريحات ايهودا فاينشتاين المستشار القضائي لحكومة نتنياهو الأكثر فاشية واستعمارا استيطانيا في تاريخ الحكومات الإسرائيلية بأن المسجد الأقصى هو جزء من أراضي إسرائيل وينطبق عليه قانون الآثار والتنظيم الإسرائيلي، والتي أثارت موجة غضب إسلامية وعربية، إلا لإيجاد موقف إسلامي موحد أكثر حزما وفاعلية في مواجهة الهجمة التهويدية والإستيطانية الإسرائيلية التي تتعرض لها المدينة ودعم القدس وسكانها. كان الرد الاسرائيلي على هذا المؤتمر ليس فقط إغلاق الحاجز وإنما أيضا استهدافها بلدة سلوان الخاصرة الجنوبية لأسوار المسجد الأقصى والتي تشكل جبهة النضال الوحيدة بالقدس المحتلة التي لم تنل منها سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها المنطقة العازلة ذات السيادة والسيطرة الفلسطينية وذلك من خلال تعميق الحفريات على امتداد الأسوار الجنوبية التي طالت القصور الأموية والآثار العربية والإسلامية في مسعى منها لطمس الآثار وتزييفها.إن موضوع تهويد القدس ليس وليد الساعة وإنما مشروع خططت له إسرائيل منذ احتلالها عام 1967 حيث قامت السلطات الإسرائيلية بتوسيع حدود بلدية القدس وتوحيد المدينة إثر احتلال الجزء الشرقي وإنشاء حي يهودي على أنقاض جزء من حي المغاربة والقيام بعزل أحياء عربية كاملة على إثر إعادة ترسيم حدود المدينة. ومنذ ذلك التاريخ ووتيرة التهويد تزداد وتقل بحسب طبيعة الحكومة الإسرائيلية وطبيعة المجتمع الدولي. إلا أن وصول حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة إلى سدة الحكم في مارس 2009 سارعت من وتيرة تهويد القدس على كافة الأصعدة وأصبحت فكرة خلق «أورشليم» بصورته النهائية تتصدر لائحة الأولويات في حكومة نتنياهو. تجري عمليات التهويد التي تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق المدينة المحتلة من خلال طمس الهوية وذلك عن طريق تحويل هوية القدس العربية الإسلامية «دينًا» و»ثقافة» إلى هوية أخرى بديلة يهودية «الديانة» عبرية الثقافة عن طريق التعليم بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية وتطبيق مناهج التعليم الإسرائيلي. كذلك قطع الصلة مع التاريخ الإسلامي والعربي وذلك عن طريق الاستيلاء على الآثار ومنع تداول الكتب العربية والإسلامية. إضافة إلى المسار الإجرائي بتنويعاته الإغراء الاقتصادي والتضليل الإعلامي والآلية التشريعية.وأخيرا ورغم كل هذه المآسي أراني أيضا وبلا وعي أردد ..يا قدسُ.. يا مدينتي يا قدسُ.. يا حبيبتي غداً.. غداً.. سيزهر الليمون وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون وتضحكُ العيون.. وترجعُ الحمائمُ المهاجرة.. إلى السقوفِ الطاهرة ويرجعُ الأطفالُ يلعبون ويلتقي الآباءُ والبنون على رباك الزاهرة.. يا بلدي.. يا بلد السلام والزيتون .* كاتب وباحث أكاديمي في جامعة درهام (بريطانيا)