د. مبارك الخالدي

الوطن ..«المكان الذي نتجه إليه» في أحلامنا

«الوطن هو المكان الذي نتجه إليه في نومنا»، تقول الروائية والشاعرة الهندية الأمريكية لويز إردريك، لا فُضَّ فوها، وتستمر إردريك، «الشاحنات الصندوقية تترنح شمالا في الأحلام/لاتنتظرنا» ، في قصيدتها (مدرسة هندية داخلية: الهاربون) التي تحكي بضمير الجمع المتكلم تجربة الغربة القسرية التي كان يعيشها أطفال الهنود الحمر، بعد انتزاعهم من أوطان قبائلهم وإيوائهم في مدارس داخلية تعمل بنظام قاسٍ يقطع علاقتهم بمجتمعاتهم القبلية وبلغاتهم وبثقافاتهم، وبكل ما يدخل في تشكيل وتحديد هوياتهم، ضمن برنامج الاستيعاب الهادف إلى تفتيت المجتمعات الهندية بتدمير بنياتها الثقافية. في القصيدة، المدرسة الداخلية هي الوطن الاجباري البديل عن الوطن البعيد، أسفل جبال السلحفاة «تيرتل ماونتين»، وطن ليسوا ببالغيه في أحلامهم لأنه حتى الشاحنات لا تنتظرهم . وفي النهارات، يكون الحارس بالمرصاد لكل من يفكر بالهرب، فلا يكون أمامهم سوى النظر خلال الشقوق في الألواح الى الأرض حين تبدأ في الامتداد شمالا الى أن يثخنهم البقاء لصق الألواح بالألم والبرد،والشريف دائما على أهبة الاستعداد لإعادة الهاربين.

 الأوطان بالنسبة لكل الناس، في كل زمان ومكان، كما هو الوطن بالنسبة للأطفال الهنود في قصيدة إردريك، أو في الواقع، هي الأمكنة التي يتجهون اليها في أحلامهم بتنوعها، وباختلافاتها، أحلامهم في النوم، وفي اليقظة، وفي أحلامهم الآمال، والأماني والتطلعات المبللة بماء القلوب.  إن الأوطان التي لا تنضفر خيوطا من لآلئ وذهب في نسيج أحلام الناس ، أو لا يغزلونها في أحلامهم ، ولا تكون جزءا منها، ليست أوطانا حقيقية، مجرد أمكنة لعيش مؤقت. الأوطان حين لا يتوفر فيها شروط الحياة الكريمة وضمان حقوق الناس بكل أنواعها والحرية والمساواة، والأمن والاستقرار، لا تستحق أن تسمى أوطانا، و يكون حالها كحال تلك المدارس الهندية الداخلية، الإقامة فيها تشبه الإقامة الجبرية،  فيها ينظر الناس خلال شقوق الصبر إلى انبلاج نور الخلاص بالتغيير أو الغربة.

 الأوطان بالنسبة لكل الناس، في كل زمان ومكان، كما هو الوطن بالنسبة للأطفال الهنود في قصيدة إردريك، أو في الواقع، هي الأمكنة التي يتجهون اليها في أحلامهم بتنوعها، وباختلافاتها، أحلامهم في النوم، وفي اليقظة، وفي أحلامهم الآمال، والأماني والتطلعات المبللة بماء القلوب.والوطن الذي لا يتجه الناس إليه في أحلامهم، يدفع الناس لا محالة الى احتراف الحلم في اتجاه معاكس، في اتجاه الخلاص منه بالرحيل إلى أماكن غريبة، نائية او قريبة،  أمكنة تغتسل بالنور،   تبسط لهم ايادي مورقة بالوعود بأشياء جميلة ومشتهاة وبأقواس قزح. قد يتحقق حلم البعض بالانفلات من قبضته المجدبة من الأحلام والوعود، وقد لا يستطيع البعض الآخر، فيضطرون الى البقاء، ويوطنون النفوس على الانتظار، أو ينأون عنه، بإرادة الروح أو بدونها،عبر مفازات الاغتراب الموحشة ، يروون في عزلتهم النفسية أحلامهم  المهددة بالذبول، وينسجون على مناويل الصبر  صورا لأوطان بديلة بمدن خضراء وجميلة ، يمنون النفوس بدخولها  بأمن وطمأنينة في أزمنة يتمنون أن تكون قريبة، وقادمة لامحالة.فليكن هذا الوطن الممتد من الماء الى الماء، ومن كثيب في الشمال الى آخر في الجنوب،  فليكن في يومه الحولي وفي كل الأيام، المكان الذي  نتجه إليه دائما في احلامنا، في النوم واليقظة، وفي الأحلام والأماني ، في الشدة والضيق، والسراء والضراء، نمنحه الحب والانتماء ملفوفين بأغلفة مطرزة بالصدق والإخلاص، ويهبنا كل ما يُقوِّي  فينا الشعور  بإنسانيتنا وما يجعلنا لا نخجل، ولا نتردد في أن نتباهى به ونفتخر أمام الآخرين. فليكن الوطن  الذي لانحلم بغيره وطنا، ولا نسلم  أنفسنا للغربة حين تراودنا،  حين تستدرجنا، تعرض أمام أعيننا مفاتنها ومباهجها لتغوينا إلى البعيد عنه ،إن للخارج البعيد أو للداخل البعيد كنقيضه. فليكن هذا الوطن الكبير لنا كما نريد أن يكون لنا، فنحن له كما يريد أن نكون له، ودائما. السلام على كل الناس في الوطن في يومه الحولي، السلام على كل الذين يتجهون إليه في أحلامهم...السلام والأمان عليه..السلام والطمأنينة عليه!!