الاستثناءات في نظـام «نطاقـات»
بحثنا عن الاقتصاد المعرفي في السياق التنموي يتطلب منا العمل بمفهوم «سدّد وقارب» بحيث إن المنظومة المعرفية عملية متكاملة تفرض كثيرًا من الشروط والضوابط التي تضطرنا للتعامل مع بعض المكاره. فعلى سبيل المثال، نحن بحاجةٍ الى السعودة ليس لمجرد القضاء على البطالة وإنما لتأهيل أبنائنا وتوظيفهم في المرافق والأعمال المختلفة في جميع مستوياتها الدنيا والعليا، لأن عملية بناء الوطن تتطلب ملء الفراغات التنموية بجميع العناصر وفقًا لتأهيلها العلمي والعملي.. أمامي تجربتان، أولاهما تعكس تداعياتها خلطًا في مفهوم وفكرة التنمية، حيث حذر عاملون في قطاع النقل من بوادر أزمة تهدّد محطات الوقود ومحطات توليد الكهرباء جراء توقف أكثر من 40 % من الناقلات، بسبب إلزام وزارة العمل شركات النقل بتوظيف 10 % في قطاع النقل، ويرى الناقلون أن 40 % من الناقلات معطلة ولا يمكن الاستفادة منها، ما ينبئ عن أزمةٍ حقيقيةٍ ستواجه محطات الوقود ومحطات توليد الكهرباء، بدأ تأثيرها يظهر على بعض محطات الوقود، في الوقت الذي رفض فيه كثير من الناقلين توقيع عقود تشغيل ونقل لعدم توافر العمالة الكافية للعمل على الناقلات المعطلة.. ولعلنا نتفق مع الناقلين في أن قطاع النقل يمثل الشريان الحقيقي في أي دولة، إذ يخدم جميع القطاعات البترولية وخدمات الكهرباء، بالإضافة إلى الخدمات التجارية ونقل البضائع، غير أنه يعاني من ملاحقة وزارة العمل بنظام «نطاقات» في وقت لا يتوافر فيه سعوديون لقيادة الشاحنات التي تعتبر محور عملية النقل بأكملها، وقد سبق أن خُضنا تجربة فاشلة في سعودة سيارات الليموزين، رغم أنها أقل مشقة من الشاحنات وقيادتها في طرقٍ طويلة.الخلاصة هنا أن كثيرًا من الناقلين اعتذروا عن عدم العمل في الفترة المقبلة بسبب عدم توافر العمالة الكافية من السائقين لتشغيل الناقلات المتوقفة، ما سيؤدي إلى نقص في إمداد محطات الوقود بالمحروقات، وبالتالي التسبب في أزمةٍ حقيقيةٍ تصيب قطاع المحروقات، فماذا تفعل وزارة العمل لحل الأزمة؟ والخلاصة هنا أن كثيرًا من الناقلين اعتذروا عن عدم العمل في الفترة المقبلة بسبب عدم توافر العمالة الكافية من السائقين لتشغيل الناقلات المتوقفة، ما سيؤدي إلى نقص في إمداد محطات الوقود بالمحروقات، وبالتالي التسبب في أزمةٍ حقيقية تصيب قطاع المحروقات، فماذا تفعل وزارة العمل لحل الأزمة؟ هل ستبادر الى القول إن تلك مشكلة وزارة النقل؟ ذلك غير واقعي بالتأكيد لأنها من تسبّب في التضييق على الناقلين وعليها مراجعة حساباتها واتساع الأفق لما هو أكثر من تحقيق السعودة على حساب مشروعات التنمية.والتجربة الأخرى تتعلق بالتعليم العالي، إذ لا يجوز سعودة الجامعات لأن ذلك أشبه بسعودة المعرفة وهي مفهوم كوني أكبر من أن تضيقه وزارة العمل، كما أن ذلك يتنافى في اعتقادي مع المعايير الدولية في إلزام مؤسسات التعليم العالي بكوادر لمجرد توظيفها، وذلك لا ينسجم مع معطيات وشروط المعرفة، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا تجسيد حقيقي للمعرفة العالمية التي ينبغي أن يطمح إليها أبناؤنا ويتأهلوا الى معاييرها وفقًا للشروط العلمية الدولية وليس بضغط وزارة العمل التي تركّز على التوظيف لمجرد التوظيف ورفع مستويات القضاء على البطالة بأساليب غير علمية تتنافى مع متطلبات التنمية، ولذلك لا بد أن يكون نظام «نطاقات» مرنًا بحيث يحتمل استثناءات منطقية وطبيعية تتوافق مع المعايير التنموية والعلمية، وفي تقديري ينبغي أن يبتعد نظام نطاقات عن الجامعات والنقل تمامًا ويجعل العملية تسير بتلقائية، فعندما يكون هناك سعودي قادر على قيادة شاحنة فمن المؤكد سيجد أبواب الناقلين مفتوحة أمامه، وكذا الحال عندما يكون لدينا عالم ستفتح له الجامعات أبوابها، أحيانًا التلقائية أكثر نضجًا من أنظمة قد تضرّ بمسيرتنا التنموية.