محمد العصيمي

بقرة تُحلب وكلاب تتملق!!

طالت مطالعاتي خلال شهر رمضان لتاريخ الاستبداد وحاضره العربي شديد الوضوح في ثورات الشعوب الحديثة، فوجدت، مما وجدت، أن الاستبداد أنواع، منه السياسي وهو أعظمه وأغلظه وأحقره، ومنه الديني وهو أكثره تعسفا وجرأة واستقواء، ومنه الفكري وهو أعلاه تصنيفا وإلغاء وتكبرا واستعلاء على الخلق. وليس للمستبدين بأنواعهم غير هدف واحد، وهو أن يطرب الناس إذا تحدثوا وأن يصفقوا إذا خطبوا وأن يؤمنوا إذا دعوا، وأن يموتوا إذا فكروا أو دبروا أو طالبوا بحقوق ناقصة أو مغيبة.

ومن أنوار الإمام عبدالرحمن الكواكبي قوله: "المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق ومطالبتها به. والمستبد عدو الحق وعدو الحرية وقاتلها.. والمستبد يود أن تكون رعيته بقرة تحلب وكلابا تدلل وتتملق وعلى الرعية أن تدرك ذلك فتعرف مقامها منه: هل خلقت خادمة له أو هي جاءت ليخدمها فاستخدمها. والرعية العاقلة مستعدة أن تقف في وجه المستبد تقول له لا أريد الشر، ثم هي مستعدة لأن تتبع القول بالعمل فإن الظالم إذا رأى المظلوم قويا لم يجرؤ على ظلمه... والاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين". وما بقي، تعقيبا على هذا الكلام للكواكبي، أن المستبد فرد في صورة جماعة يخلقها حين يُسقط عليها (فتات) موائده، ويذر عليها غبار المنافع الشخصية ويوليها المناصب والصلاحيات التي بها تحكم وتضرب كل (رأي مخالف) يرفع رأسه.!!