أديب.. في ذاكرة التـاريخ
الشاعر الراحل أحمد بن راشد المبارك واحد من شعراء الأحساء المتألقين، الذين عطروا أجواء الخليج بنفح من طيب أشعارهم، يوم كان الشعر الأصيل شحيحًا والشعراء البارزين يعدون على رؤوس الأصابع، وكان واحدًا من أولئك الشعراء الذين انصرفوا عن الشعر والأدب في مراحل حياتهم الأخيرة، بعد أن ملأ الأسماع والأبصار شعرًا ونثرًا، وهو وإن انقطع عن الشعر قولًا، فقد ظلت علاقته به وثيقة، ولم يخل مجلسه عادة من أجواء الشعر، وكنت مع مجموعة من شباب الستينيات الميلادية ومنهم محمد بوخمسين (أبو سامي) الذي شغلته التجارة هو الآخر أيضًا عن أصدقاء الحرف والأدب، فقد كنا نتردّد على مجلس الراحل بمنزله في الخبر، نطرب لسماع شعره، أو شعر غيره عندما يستشهد به بشغف المحب للشعر، والمفتون بروائعه، ورغم اشتغاله بالتجارة، فقد كانت أمسياته عابقة بالفكر والأدب، لكن أخباره انقطعت عني عندما انتقلت للعمل في دولة قطر، وأذكر أنه لم يكن من المتباهين بإنجازاتهم الفكرية، لكننا كنا نستفز ذاكرته عندما نسأله عن تفاصيل بعض الأحداث أو الكتابات التي نعرف أن له علاقة بها، فيتحدث عنها بثقةٍ وصراحة، وبشمولية توحي بثقافته الموسوعية في الأدب العربي، والأدب الإنجليزي بحُكم إلمامه باللغة الإنجليزية في زمن مبكر قلَّ فيه المجيدون للغة الإنجليزية من أبناء المنطقة. ومضت مدة طويلة على رحيله في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1315هـ دون أن يحتفي بشعره الكتاب، كما يجب أن يكون الاحتفاء بأديب في قامته، وشاعر في منزلته، ورجل في مكانته الاجتماعية والأسرية، فهو ينتمي لأسرة آل الشيخ مبارك، المعروفة بالعلم والأدب ليس في الأحساء فقط، بل وفي الخليج والجزيرة العربية وعلى نطاق واسع، ومنها علماء وأدباء أفذاذ، وقد عرف كثيرين من الكتاب في حياته، وجُل ما كتبه بعضهم عنه اقتصر على ترجمة ذاتية ظهرت في الكتب التي أرَّخت للأدب في منطقة الخليج، ومنها كتاب عبدالرحمن العبيد «الأدب في الخليج العربي» وتضمّن هذا الكتاب حوارًا أجراه المؤلف من الشاعر الراحل وفيه يقول:لقد كانت أمسياته عابقة بالفكر والأدب، لكن أخباره انقطعت عني عندما انتقلت للعمل في دولة قطر، وأذكر أنه لم يكن من المتباهين بإنجازاتهم الفكرية، لكننا كنا نستفز ذاكرته عندما نسأله عن تفاصيل بعض الأحداث أو الكتابات التي نعرف أن له علاقة بها، فيتحدث عنها بثقةٍ وصراحة، وبشمولية (احترفت التعليم وزاولت الترجمة وعملت في الصحافة واشتغلت محاسبًا ومديرًا لأكثر من إدارة وشركة ولا أزعم أنني في جميع هذه الأعمال مثال يجب أن يُحتذى به كموظف كامل، ولكني على كل حال.. حاولت أن أقوم بواجبي جهد الطاقة وقدر الاستطاعة وبدون شهادة رسمية) كما ورد في صفحة 74 من من الكتاب المذكور. وقد صدر عن الراحل أحمد بن راشد المبارك مؤخرًا كتاب «الصدى الضائع» وهو عنوان ديوانه الشعري، لكن هذا الكتاب ضمَّ بعضًا من إنتاجه الشعري والنثري معًا، وصدر عن دار الفتح للدراسات والنشر في عمان ـ الأردن. وأول ما يُطالع القارئ كلمة ضافية كتبها العلامة الشيخ حمد الجاسر «رحمه الله»، يقول فيها: (كان الأستاذ أحمد «رحمه الله» من أدباء الطليعة في أفكاره وفي أسلوبه، وكان مما قرأت له قبل ستين عامًا مقطوعات من الشعر كان ينشرها في مجلة «الأمالي» التي كان يصدرها في بيروت الأديب المعروف الدكتور عمر فروخ «رحمه الله»، ثم قرأت بعد ذلك مقالات أخرى في مجلة «صوت البحرين» التي كانت تصدر في تلك البلاد).وقد كتبت ابنة الراحل هيفاء في هذا الكتاب: (لقد عاش الوالد ومات حرًا أبيًّا، تمسّك بمواقفه الوطنية حتى لآخر رمق، وفي وقت ربما لم تكن تتماشى مع التيار السائد آنذاك، وقد عانى وتحمّل من جراء ذلك الكثير، دون أن تكلّ له عزيمة، أو تفتر له همة).ولا شك في أن للراحل المبارك من الإنتاج الشعري والنثري أكثر مما ضمّه هذا الكتاب، الذي أرجو أن يكون صدوره فاتحة خير تحرض أصدقاء الراحل المقرّبين ممن يملكون شيئًا من شعره أو نثره، لإضافته إلى هذا الكتاب عندما يُعاد طبعه، والراحل جدير بأن تتضافر الجهود لإنصاف إنتاجه الأدبي بما يستحق من البحث والدراسة.