حين ترحل بعيدا ..!
من يعش بين الأسماع والأبصار، يتق إلى حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الشتات، وخذ وهات، وماذا فعلت ولماذا تركت، إننا في حاجةٍ ماسةٍ إلى السكون كما أننا في أمسّ الحاجة إلى مواجهة معمعة الحياة، نحتاج إلى هدأة نعود فيها إلى أنفسنا لنروّحها، وإلى خواطرنا لنجدّدها، وإلى أفكارنا لنلقحها، وإلى أرواحنا لنسمو بها، وإلى عمرنا لنشببه، ونحقنه بسائل الخلود.الحياة أكثر جمالًا وقيمة حين تُملأ بالعمل والإنتاج، ولكن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرا أبقى، فلابد ـ إذن ـ من أن تتوقف بضعة أيام؛ لتشحذ المنشار، وتشحن الطاقة، وتستكمل بعض ما ينقصك من ثقافة بالقراءة الحرة، وما ينقصك من خبرة بلقاء المجربين، وما ينقصك من دراية وفقه للحياة بمخالطة الوجه الآخر الذي لا تمارسه ولا تعيشه وقد تكون لا تحبه، أو لا تقبله على الأقل.. والمؤمن الذي يخالط (الناس) ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.إنك حين تعيش ـ دائمًا ـ مع مثلائك في العقيدة فلن تدعو إلى عقيدتك، ومع مثلائك في الفكر فلن تعلم عما يُقال عن فكرك، ومع مثلائك في المنهج فلن تطلع على مناهج أخرى.حين ترحل بعيدًا جدًا، ستواجه عقبات لولاها لما تلذذت بالوصول، وسوف تلقى وجوهًا لأول مرة؛ قد تندرج في قائمتك الخاصة فورًا، وسوف تتعرّف الثقافة التي كنت تسمع عنها إما مشوّهة، أو كما هي، وسوف تعرف ما لم تعرف، نعم ما لم تعرف، فكم حكمنا دون وعي بالحقيقة، والحكم على الشيء فرع عن تصوّره.سافر.. خض غمار أحداث تقدح زناد أحداثها ببنانك، وعشها خطوة خطوة بشجاعة وحذر، واجه مفاجآتها بمتعة، وافتح عقلك لكل ما يعرض عليه، ناقشه بانفتاح، واعرضه على ثوابتك، وتحاور معه بثقة، محتفظًا بشخصيتك المبنية على أساس من الإيمان وحب العلم والتعلم من الجميع. وحين ترحل بعيدًا جدًا، ستواجه عقبات لولاها لما تلذذت بالوصول، وسوف تلقى وجوهًا لأول مرة؛ قد تندرج في قائمتك الخاصة فورًا، وسوف تتعرّف الثقافة التي كنت تسمع عنها إما مشوّهة، أو كما هي، وسوف تعرف ما لم تعرف، نعم ما لم تعرف، فكم حكمنا دون وعي بالحقيقة، والحكم على الشيء فرع عن تصوّره.لقد علمتني الأسفار أن كل الآخرين لديهم ما ليس لدي، وأن لدي ـ أيضًا ـ ما ليس لديهم، وأن من يتسع صدره لوجهة نظر غيره فسوف يفوز بكثير مما كان ينتظره بشغف وكان يحتاجه.ويكون السفر أكثر جمالًا وأسعد حالًا حين ترافق من تحب، أو من تستفيد منه، أو من يساعدك على حفظ نفسك ووقتك، فإن العامة تقول: الرفيق قبل الطريق، وصدقوا، وصدق العشماوي حين قال: تعب الطريق يهون إن أنس الرفيق إلى الرفيق.