التغريـدات القـاتلة
التجربة الإنسانية في عُمقها الحضاري لم تفك العلاقة بين الاتصال والتواصل بصورةٍ منهجية تحدّد المفاهيم بصورة دقيقة، وعبر الزمن اعتلى الاتصال قمة المفاهيم الإنسانية الى أن وصلنا الى المرحلة الحضارية الراهنة التي أصبح فيها للتقنية حضور مؤثر وأكثر عمقًا أنتج تطبيقات العولمة التي انتقلت بصورةٍ حادة الى مفهوم القرية الكونية التي يشيع فيها الاتصال أكثر من التواصل، ولكي لا نغوص في الدلالات التطبيقية لماهية المفهومَين: «الاتصال والتواصل» نبقى عند فكرة أن الاتصال معنى مجرد لاحتكاك الأفراد والمجتمعات والدخول في إطار دلالي مشترك دون أن يكون هناك بالضرورة تواصل فعلي وحقيقي يستوعب المكوّن النفسي «السيكولوجي» للفرد من الناحية المزاجية، والبُعد الاجتماعي الذي ينتمي له الفرد من حيث التنشئة. متغيّرات تلك التنشئة في خضم العملية الاتصالية القائمة على التقنية الحديثة تشوّش بالضرورة على أساليب التنشئة وتتقاذف الفرد في بحر من الأفكار والمعلومات والبيانات التي تحتمل تناقضاتٍ مثيرة للاهتمام، وهنا يبرز دور الأسرة والمقار التعليمية التي غرست في الطفل البذرة الأولى من كونه مرآة للبالغ، وعاكسًا حقيقيًا لكل ما يتلقاه، فلا نستطيع بشكل أو بآخر فصل الإنسان عن بيئته المكوّنة لشخصيته، ولذلك فإن تقييم الفرد، الذي تعرّض لهذا الكمّ الهائل من متغيّرات العملية الاتصالية التي دخل فيها، يضع الأسر في تحدّي إعادة بناء سلوك الفرد وضبطه أو محاولة التحكّم فيه الى مناسب ومتوازن؛ لأننا في حالة محاكمة إنسان يجب أن نحاكم أولًا البيئة المنتجة له، ثم ننظر بعد ذلك لما اقترفه.مواقع التواصل الاجتماعية من «فيس بوك» و«تويتر» أحدثت ثورة هائلة في مجال الاتصال، وكانت في غير بلد عربي وسيلة تغيير فكر سياسي واجتماعي، غير أن ذلك التغيير «شطح» الى القيم والعبث بالمقدّس، وهنا تبرز المفارقة، وتلعب الشخصية الإنسانية دورها في تقديم هويتها الحقيقية والمرتكز الأخلاقي الذي تقف عليه، فإما أن تكون قوية كقيادة خلّاقة أو مشوّهة كمسخ عقدي.مصدات المقاومة الذاتية والتعاطي السليم مع متغيّرات العملية الاتصالية الكونية من واجبات المنظومة الاجتماعية التي عليها أن تحافظ على أسس ومبادئ الفرد مع حرية التحرّك الفكري بصورةٍ رأسية قائمة ومنطلقة من الثوابت التي غرست فيها، وبالنظر الى تركيز السيسيولوجية الاجتماعية على دراسة الظواهر الاجتماعية نجدها دائمًا تسعى الى تخطي الفرد، والنظر الى المجموع، ولذلك أجدني أفكّر في ظاهرة أصبحت تنتشر بشكل لافت في المجتمعات العربية، فمنذ أيام قرأت في إحدى الصحف الإلكترونية المحلية خبرًا يتضمّن تطاول مواطنة كويتية على الذات الإلهية عبر حساب لها في «تويتر»، حيث أنكرت في 500 تغريدة وجود الله (سبحانه وتعالى) وتحدّيه، فقام زوّار الموقع بمناصحتها بلا نتيجة مرجوّة، ومن ثم أبلغوا عن الحساب وإغلاقه، ولكنه عاد مجددًا للظهور بعد ساعات من الإغلاق، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أصبح التطاول على الله ورسوله ظاهرة تتكرر بشكل لافت رغم العقوبات الصارمة التي تمارسها الحكومات إزاء ذلك؟ فحكومة المملكة لا تتهاون في مثل هذه القضايا، والكويت شرعت قانونًا يجيز محاكمة المتطاولين على الذات الإلهية، ومحليًا برزت لنا على السطح قضيتان أثارتا جدلًا واسعًا وهما قضية الكاتب حمزة كشغري، ومن ثم قضية الكاتبة حصة الشيخ، واللذين كانا متهمَين بالتغريد على شبكة «تويتر» بما يسيء لله ورسوله، وقد نفت حصة أن تكون هي المغردة وأن الحساب لا يخصُّها نهائيًا، وهناك من ينتحل صفتها، وهذا ما نتمنى أن تتمخّض عنه الأيام المقبلة. مواقع التواصل الاجتماعية من «فيس بوك» و«تويتر» أحدثت ثورة هائلة في مجال الاتصال، وكانت في غير بلد عربي وسيلة تغيير فكر سياسي واجتماعي، غير أن ذلك التغيير «شطح» الى القيم والعبث بالمقدّس، وهنا تبرز المفارقة وتلعب الشخصية الإنسانية دورها في تقديم هويتها الحقيقية والمرتكز الأخلاقي الذي تقف عليه، فإما أن تكون قوية كقيادة خلّاقة أو مشوّهة كمسخ عقدي.