محمد حمد الصويغ

ضريبة الدردشة

القول بأن أجهزة الحاسوب الآلي بمختلف أجيالها ومسمياتها وأجهزة الاتصال المحمولة بأغراضها وأنواعها المتعددة قد أدت الى اهدار الأوقات وتفكيك الروابط الاجتماعية الجميلة بين الناس هو قول لا يجانبه الخطأ ويمثل من وجهة نظري الخاصة ضريبة مازالت المجتمعات البشرية تدفعها،

 فلو عدنا الى ماضينا القريب الذي يحلو لنا تسميته بـ «الزمن الجميل» وتحديدا قبل انتشار تلك الأجهزة ودخولها الى مجتمعنا لاكتشفنا دون عناء أو مشقة أن مجالسنا كانت «عامرة» وقتذاك، وقلما تخلو من الضيوف بشكل يومي، وأن الجار كان يسأل عن جيرانه الأقربين والأبعدين من داره، وأن «التزاور» بين الناس ان جاز التعبير داخل الأحياء السكنية كان عادة جميلة ومحببة للنفوس، واذا تخلف أحد السكان عن ممارسة تلك العادة لأي سبب من الأسباب تجمع جيرانه في أي مكان للتوجه الى داره والسؤال عن أحواله والوقوف على سبب انقطاعه عنهم .

تطور الأمر  الى عزلة بين أفراد الأسرة داخل بيتهم، فالجميع مشغولون بـ  «الدردشات الآلية» ونسوا أو تناسوا أنهم يملكون ألسنة في أفواههم يبدو أنها منحت اجازات مفتوحة  الى أمد غير معلومأما اليوم فان الأمور انقلبت رأسا على عقب، فالمجالس المنزلية أضحت «خاوية» على عروشها لا تستقبل أحدا ولا يستقبلها أحد، وأظن أن الغرف المعدة للمجالس سوف تلغى من البيوت في مستقبل قد لا يكون بعيدا ان بقيت الأوضاع على ما هي عليه، ولا احسب أنها سوف تتغير الى الأفضل في ظل المستجدات الطارئة على أجهزة الاتصال المحمولة وأجيالها المتعاقبة، والأدهى من ذلك والأمر أن التفكك الاجتماعي الناجم عن تسمر الناس لساعات طويلة أمام الشاشات الصغيرة للتنقل بين مئات قنواتها الفضائية، أو استخدام أجهزة الاتصال المحمولة على نطاق واسع لا تنحصر سلبياته في هذه العزلة الممقوتة بين الجيران داخل الحي الواحد أو العمارة الواحدة، بل تطور الأمر الى عزلة بين أفراد الأسرة داخل بيتهم، فالجميع مشغولون بـ «الدردشات الآلية» ان صح القول ونسوا أو تناسوا أنهم يملكون ألسنة في أفواههم يبدو أنها منحت اجازات مفتوحة الى أمد غير معلوم .