د. فالح العجمي

الشعراء أربعة .. والحكمة جربعة !

تذكرت قول الناقد البراجماتي، الذي يصف أنواع الشعراء بقوله: الشعراء أربعة: شاعر يجري ولا يُجرى معه، وشاعر يسير وسط المعمعة، وشاعر لا تود أن تسمعه، وشاعر لا تستحي أن تصفعه. ويتصل بهذه المقولة ما سبق أن قرأته عن موارد الحكمة بأنها تشبه الجربعة (لوجود أكثر من مدخل ومخرج، فتشبه جحور الجرابيع ونافقاءها). الذي ذكرني بهذا التصنيف هو تأملي أمام أحد ثقيلي الدم، ممن يصف طريقته في العمل، ونجاعة أسلوبه، ومحبة من يعملون معه لذلك الأسلوب، وإقبالهم بالتالي على العمل الجماعي. وبعد أن فاض بي الكيل، قلت له: هل تعرف أنواع البشر من أي من مجتمعاته المتباينة، وبيئاته المختلفة؟ فأجاب بإسهاب ممل عن معرفته بخفايا تلك الأنواع، وأن لديه المفاتيح الخاصة  بكل نوع، مما يجعله قادراً على التعامل مع فئات البشر المتعددة. قلت: يا أخي! رجاء فيما يخص موضوعك الذي تتحدث عنه (الشغل الفاعل)! فهل تدرك كيف يتعامل كل نوع من البشر مع فلسفة الشغل، وينظر إليه وإلى المنخرطين فيه؟ فرد باقتضاب: لا .. لا .. أنت الفيلسوف، فأجبني عما تسميه أنواعاً بشرية! قلت: أخيراً اقتنعت بأن حواراً يدور بيننا، وأنك لست بصدد تقديم محاضرة عن براعتك في العمل والإنتاج، واستقطاب الناس، وحثهم على العمل، ومعرفة دواخلهم وقدراتهم. لكن قبل أن أسرد لك تلك الأنواع، هل يمكن أن تريني ما الذي أنتجته إدارتك؟ لا تقل لي رضا المسؤولين الكبار عنك! فأنت تعرف – قبل أن أعرف – أن رضاهم مقرون بتنفيذك الكامل لرغباتهم، وعدم ورود أي مشكلة إليهم من قبل إدارتك؛ وهذا – بحد ذاته – دليل عدم الإنتاجية، وانتفاء الشغل الفاعل، لأن العمل لا بد أن يكون مقروناً بعوائق ومشكلات، تحتاج إلى حلول في مستويات متعددة.هل يمكن أن تريني ما الذي أنتجته إدارتك؟ لا تقل لي رضا المسؤولين الكبار عنك! فأنت تعرف – قبل أن أعرف – أن رضاهم مقرون بتنفيذك الكامل لرغباتهم، وعدم ورود أي مشكلة إليهم من قبل إدارتك؛ وهذا – بحد ذاته – دليل عدم الإنتاجية، وانتفاء الشغل الفاعل، لأن العمل لا بد أن يكون مقروناً بعوائق ومشكلات، تحتاج إلى حلول في مستويات متعددة. غمغم قليلاً، وأشاح بوجهه؛ فأكملت: البشر – يا عزيزي – في هذا المجال ينقسمون إلى خمسة أقسام: الأول يشتغل وهو صامت (لا يتحدث عن شغله لا إيجاباً ولا سلباً)، والثاني يشتغل ويقول إنه يشتغل، والثالث لا يشتغل ويقول إنه يشتغل، والرابع يوهمك أنه يشتغل، والخامس يعترف بأنه لا يشتغل. فإلى أي هذه الأنواع – يا عزيزنا – تنتمي؟ بحْلق، وانتفخت أوداجه، ثم مد إلي الكأس قائلاً: يا أخي! إيش بك؟ احنا على قد حالنا! لما أقول الشغل، وأحث موظفي على الشغل، هو إني أخلص معاملات الأسبوع قبل نهاية دوام الأربعاء. وكدا ييجي الأسبوع الجاي، ومكاتبنا نظيفة. قلت له: يا حبيبي! هذه سياسة شغل، وليست إنجازاً تفاخر به، كما أفهمتني في حديثك الطويل عن نفسك، وعن إدارتك التي لا تشبه الإدارات الأخرى. حسناً، فما دمت فتحت الموضوع، فسأحكي لك أمثلة لهذه الأنواع من الناس «اللي مش قدّكم» (أو أنتم مش قدّهم)، ومن مختلف شرائحهم وطبقاتهم: فالنوع الأول يمثله خير تمثيل العلماء الحقيقيون والسياسيون البارعون، وفي النوع الثاني يدخل نجوم الفن والرياضة وأغلب أهل الصنائع، الذين يتحدثون عما أنجزوه، ويسوّقون لإنجاز فعلي قاموا به. وضمن النوع الثالث يأتي هواة العمل السياسي في كثير من البلدان، التي لا تمارس السياسة فيها من خلال مؤسسات عريقة ذات خبرة طويلة، وينافسهم في هذا الشرف كثير من الإعلاميين ودعاة الأيديولوجيا، الذين يعتقدون أن العالم دون وجودهم لا يساوي شيئاً، وأنهم من يضفي على الأشياء قيمتها المتميزة. وفي النوع الرابع يندرج أغلب المدربين والمعلقين في رياضات البلدان المتأخرة، وجل المعلمين والمنظرين في أنظمتها التعليمية؛ فهم من يصنع الوهم لدى الآخرين، ويسترسل في صناعته، ويثني على إجادته تلك الصناعة (دون أن يسمي الأشياء بأسمائها). أما الخامس، فهم عباقرة الزمان الذين لا يجود الزمان دائماً بمثلهم، من أمثال بعض المطربين أو الطقاقات الذين تصعد بهم الصدف، أو الحاجة المهنية والاجتماعية لأناس يتعاملون مع الطبقات الدنيا ومطالبهم الغريبة عند المشغولين بغيرها من الطبقات، وكل فريق «حطني تلقاني»! ممن يغري بهم جمال شكل أو علاقة نسب أو تشابك مصالح. إذأً هناك من ينفع بشغله، ومن يسد حاجة بما يؤديه، ومن لا يثبت عمله إلا قوله هو نفسه، ومن يفتري لتصانعه، ومن يصارحك بإفلاسه في هذا المجال. فأي هذه النماذج – عزيزي القارئ – تفضل أن تكون، أو أن ترى؟.