خليل الفزيع

بعض الدعاة والوقار المفقود

الفضائيات أصبحت حافلة بالدعاة، وإن كان وجودهم لا يعفي تلك الفضائيات من مسؤولية حسن الاختيار فيما يقدم في فضائياتهم من برامج ومسلسلات لا تنسجم مع تعاليم الإسلام ومنهج الشريعة، وكان الأولى بهؤلاء الدعاة نصح أصحاب تلك الفضائيات بالبعد عن كل ما يخدش الحياء ويسيء إلى الذوق العام، هذه مسألة.. والمسألة الأخرى تتعلق ببعض الدعاة الذين يحاولون أن (يستخفوا دماءهم) بالنكت والحكايات الغريبة.

لقد اتسم معظم الدعاة بالكثير من الوقار والرزانة، واتسمت شخصياتهم بالكثير من الجدية التي تتناسب مع مهمتهم الجليلة، هؤلاء هم العلماء الذين بأيهم اقتدينا.. اهتدينا، وهذه الصفة تكاد تكون عامة بين الدعاة دون أن يحول ذلك بينهم وبين لطف الحديث وذرابة اللسان والاستشهاد بالمواقف التي تبعث الابتسامة في الشفاه والبشاشة في الوجه، بعيدا عن (التنكيت) أو السخرية من الآخرين، وخير وصف للداعية ما قاله الشاعر مزيد الحلي.

ليس مطلوبا من الداعية أن يكون عابسا مكفهر الوجه، لكن ليس مطلوبا منه أيضا أن يتحول إلى (منكت) فهذا أسلوب لا يليق بالعلماء الدعاة، ولا يوصلهم إلى نتيجة إيجابية بل السبيل الصحيح للوصول إلى قلوب وعقول المستمعين هو علم الداعية وسعة اطلاعه، وليس (نكته) وقصصه المفتعلة 

داعي الدعاة ومهدي الناهجين إلى سبل الرشاد بلا شكٍ ولا كذب لكن بعض الدعاة يتحول إلى شخصية هزلية لا تليق بمقامه، عندما يقلد لهجات عربية أو أجنبية ليضحك من حوله من المتعطشين لمعرفة أمور دينهم ودنياهم، وهم الذين حضروا ليستفيدوا من العلم الشرعي لا ليستمعوا إلى (نكت) وحكايات مفتعلة مشحونة بالمبالغة والاستهانة بعقول الناس، الذين لو أرادوا الاستماع إلى (النكت) لبحثوا عنها عند المهرجين وما أكثرهم في هذا الزمان، والدعاة الذين يلجأون إلى هذا الأسلوب إنما يرغبون في جذب الجمهور إليهم، ولكن هذا الأسلوب يصبح منفرا إذا صدر من داعية يفترض أن يلتزم بخلق القرآن الكريم كما قال ابن الوردي: يا قارئَ القرآنِ إنْ لمْ تتبعْ ما جاء فيه فأينَ فضلُ القاري هلْ يستوي العلماءُ والجهّالُ في فضلٍ أم الظلماءُ كالأنوارِ ليس مطلوبا من الداعية أن يكون عابسا مكفهر الوجه، لكن ليس مطلوبا منه أيضا أن يتحول إلى (منكت) فهذا أسلوب لا يليق بالعلماء الدعاة، ولا يوصلهم إلى نتيجة إيجابية بل السبيل الصحيح للوصول إلى قلوب وعقول المستمعين هو علم الداعية وسعة اطلاعه، وليس (نكته) وقصصه المفتعلة، متجاهلا وعي المستمع الذي يستطيع أن يميز بين الغث والسمين، ويعرف الحقيقة من الافتعال، وهو في هذه الحالة بدلا من أن يضحك منه سيضحك عليه، وتغييب وعي المستمع كفيل بأن يصل به إلى طريق مسدودة، وسيأتي اليوم الذي ينفض السامر من حوله، ويفقد مريديه وتلاميذه، نتيجة هذا الانحراف المزاجي، أو الرغبة في خفة الدم، أو السعي لتلميع الشخصية ـ سمه ما شئت ـ فالنتيجة واحدة. وبالوقار واحترام الذات وغزارة العلم وسعة الاطلاع، يمكن أن يحقق الداعية أهدافه النبيلة في خدمة الدين والأمة.