خليل الفزيع

التهويش.. حُجة مََن لا حُجة له

تلجأ بعض القيادات العربية المرفوضة من شعوبها إلى إشغال الرأي العام بالتصريحات الشبيهة بالمفرقات التي تضر أكثر مما تفيد، تضرُّ أصحابها عندما تكشف ضعف حجتهم، وتضرُّ الموجهة إليهم؛ لأنها لا تعطيهم حلًا لحالات مستعصية،

بل تدخلهم في دوّامة الحيرة التي يريدون الخروج منها إنقاذا لأنفسهم من أوضاع متردية قادتهم إليها تصرُّفات غير مسؤولة من قبل تلك القيادات التي ترفض الخضوع لدواعي التغيير؛ لأن يقينهم لا يهتز بأن دولهم مجرد إقطاعيات خاصة، وأن شعوبهم مجرد رعايا لا حول لهم ولا قوة، وهذا الموقف الذي تلجأ له تلك القيادات هو نوع من التهويش، والتهويش في اللغة يعني الإفساد و(تهويش الناس يعني الإفساد وزرع الفتنة بينهم). بهذا المعنى يكتسب مصطلح التهويش فاعليته في الأحداث وتأثيره على مسارها في الاتجاه الخطأ؛ لأنه يتجاهل واقعًا متردّيًا لا مفر من إصلاحه، سواء باللين أو بالقوة، والعاقل هو الذي يعرف كيف يتراجع في الوقت المناسب، حتى لا تزيد خسائره وخسائر مَن حوله؛ لأن المكابرة في مثل هذه الظروف غير المواتية تزيد من حدة سوء النتائج، مع أن المكابرة في كل الحالات لا تقود صاحبها إلا لهذه النتيجة الحتمية من حجب الرؤية الواضحة لحقائق الأمور، وهو يعلم ـ أو لا يعلم ـ أن النهاية المحتومة لا مفرّ منها، وكلهم يتحدّثون باسم القانون والشرعية، متجاهلين أن ما يُبنى على الخطأ هو خطأ بكل المعاني والمقاييس.

كل الأنظمة المنهارة في العلم كانت المكابرة هي المسمار الأول في نعش انهيارها، وكان التهويش أسلوب معالجتها للخروج من أزماتها مما زاد في التعجيل بانهيارها، ومع ذلك ليس هناك من يتعظ

مَن ينسحب في الوقت المناسب كما فعل ابن علي في تونس يعلم أن انسحابه يعني القبول بأقل الخسائر، أما الذي يلجأ إلى التهويش وقلب الحقائق، وإثارة عواطف مَن يجهلون تلك الحقائق، مثل القذافي في ليبيا.. فإنه يحكم على نفسه وعلى أتباعه بالدمار الشامل؛ لأن الناس لابد أن يكتشفوا الواقع إن عاجلًا أو آجلًا، وهذه الحالة قد تخفى على أناس لا يليق أن تخفى عليهم، خاصة مَن يصنّفون في قائمة المثقفين، عندما يدافعون عن نظام منهار حتى الرمق الأخير، مثل الأسد في سوريا.. حتى إذا لفظ أنفاسه في نهاية الأمر، أدركوا أي حجم من الخديعة انطلت عليهم، وأي قدر من الوهم كانوا يعيشونه، وأي عدد من الحقائق قد غيَّبوا عنها.كل الأنظمة المنهارة في العلم كانت المكابرة هي المسمار الأول في نعش انهيارها، وكان التهويش أسلوب معالجتها للخروج من أزماتها مما زاد في التعجيل بانهيارها، ومع ذلك ليس هناك مَن يتعظ، وما يحدث في سوريا، وفي حالات مشابهة في الواقع العربي، لا يخرج عن هذا الإطار ثلاثي الأبعاد، المكابرة والتهويش والانهيار، لسببٍ واضح هو أن التهويش حُجة مَن لا حُجة له، سببه المكابرة، ونتيجته الانهيار المدوِّي الذي مهما قيل عنه، فهو نهاية كان يمكن تجنّبها بالحِكمة والرضا بالأمر الواقع والانسحاب في الوقت المناسب، لكم الحمقى وحدهم هم الذين يتجاهلون ما يدور حولهم، ولا يتعظون من غيرهم.