إذا لم يكن الإناء مكسورا فلا تصلحه!
هاأنذا أعود واستخدم هذا العنوان مرة أخرى، ولكن في سياق آخر لأقول: غالباً ما يكون الترشيحُ لحضور الملتقيات الثقافية، أو لنيل الجوائز الأدبية، رافداً لجدال دائري، وكذلك هي الحال عند إصدار المعاجم الأدبية، هنالك، دائما، من يسقط اسمه سهواً أو عمدا.. لا ندري! ومن حق الذين سقطت أسماؤهم أن يعترضوا، وعلى من يتصدى لمسؤولية أي مشروع، أو برنامج ثقافي، أن يهيئ نفسه لتلقي سهامَ النقد من الأصدقاء قبل الخصوم. فلا مناص من وجود بعض الثغرات التي يتسلل منها النقص في ظل آلية بيروقراطية تحتاج إلى كثير من المراجعة والتصحيح حتى تصل إلى درجة عالية من الإتقان والحرفية. لنأخذ، على سبيل المثال، الملتقى الثاني للمثقفين، فلم يكن بمقدور وزارة الثقافة والإعلام أن تدعو إليه كلَّ المثقفين من أكاديميين وأدباء وكتاب وفنانين وإعلاميين. وبالتأكيد فإن الدعوة إلى ذلك الملتقى لا تعدُّ شهادة على ثقافة كل المدعوين، كما أنها لا تعتبر نفياً لثقافة من لم تتح له فرصة الحضور.يوجد في كل محفل ثقافي من يجيد (فن النكاية) لغايات لا علاقة لها بالثقافة. وهو فريق لا يلتفت إلى الفكرة، أيا كانت قيمتها، بل إلى صاحب الفكرة. يذكرني موقف هذا الفريق ببعض أشكال المعارضة العربية، ويا لبؤس تلك المعارضة! ويا لقدرتها على التلوّن والتعطيل وتفريخ الأزمات!.ولعل بعض من سقط اسمه (سهوا) أوسع ثقافةً من بعض المستضافين. أقول: «بعض»، وبعض الشيء: طائفة منه، كما يقول فقهاء اللغة، لذلك ستبقى كلمة «بعض» لازمة في هذا المقال، كي لا يجرفني تيار التعميم إلى جهات مجهولة. نعم.. اعترض بعض الذين لم يُدعَوا، وبحث بعضهم في المعاجم عن تعريف للمثقف، واجتهد بعضهم في صياغة تعريف يناسبه، واستعان بعضهم بـ (غرامشي) لتعريف المثقف، واستشار آخرون (نعوم تشومسكي) للغرض ذاته، وهو أمر لم يخطر على بال أعضاء الهيئة الاستشارية للملتقى!! مع ذلك، فقد وجدتُ من (بعض) المثقفين إشادةً بفكرة الملتقى، رغم أنهم لم يدعوا إليه. لكن هذا نموذج نادر. واعترض بعضهم على برنامج الملتقى، أي طبيعة القضايا التي طرحت، وذلك حق لا ينازعهم عليه أحد، إذ لا يوجد في عالم الثقافة ما هو فوق النقد، وكان بعض النقد إيجابيا وهادفا. وبخلاف أولئك جميعا كان بعضهم سبَّاقا، دائما، إلى انتقاد أي نشاط ثقافي، هنا أو هناك، قبل أن يبدأ. وبعيدا عن تداعيات ملتقى المثقفين، فإنه يوجد في كل محفل ثقافي من يجيد (فن النكاية) لغايات لا علاقة لها بالثقافة. وهو فريق لا يلتفت إلى الفكرة، أيا كانت قيمتها، بل إلى صاحب الفكرة. يذكرني موقف هذا الفريق ببعض أشكال المعارضة العربية، ويا لبؤس تلك المعارضة! ويا لقدرتها على التلوّن والتعطيل وتفريخ الأزمات!. لا تستطيع تلك المعارضة استيعاب دورها وهو المشاركة في صنع القرار، وليس في تعطيله، إذا لم يكن هنالك ما يستدعي التعطيل. ولأن ما يعنيني هنا هو الجانب الثقافي وليس السياسي، فإن مثل تلك المشاغبة لا تخدم مشروعا ثقافيا بقدر ما تخدم تطلعات شخصية ضيقة. لذلك يمكن اعتبار مآخذ هذا الفريق على أي نشاط ثقافي شهادةً للنشاط وليس عليه. وبعد: لا يقترح هذا المقال إيصاد باب الاعتراض البنّاء، أو النقد المنتج، وإنما يقترح أن يأتيَ الاعتراضُ والنقد في محله كي يكون بنَّاءً ومنتجا.. تحقيقا للمثل القائل: «إذا لم يكن الإناء مكسوراً فلا تصلحه»!