نعيريات .. (1)
بعد غيبة لا تقل عن عشر سنوات والأمركة في أمريكا من أواخر العام 2008 إلى منتصف العام 2011 عدت إلى البادية، حيث عشق جدي قيس بن الملوح جدتي ليلى، وحيث لم ينل كُثيِّر من عَزّه غير نصف قبلة مسروقة في هودجها. جدي وجدتي المتأخران كانايعشقان الصحراء عشقا جما، حتى أننا كنا نقضي في طفولتي أكثر من ربع السنة في البر الواقع بين الرياض والخرج، وهناك أتذكر تماما كيف كان القطار وحشا مهيبا حين يطل من بعيد على خيامنا ويهدد أغنامنا القريبة من السكة. الحليب المُفوح وبقايا قرص جمر البارحة وشيء من التمر كان ألذ ما نأكل في الصباح قبل أن نركب (الوانيتات) إلى المدرسة، وحين العودة إلى البر كنا نترقب كيف ستشوي (الرمضاء) أقدامنا حين نقذف أحذيتنا بعيدا ونركض إلى ظل بيت الشعر، الأقرب إلى مكان نزولنا.هذه الظلال من الماضي وظلال أخرى كثيرة تذكرتها وأنا أعود إلى البادية كاشتا إلى صحراء النعيرية الشهيرة والبعيدة عن مركز مدن الشرقية بما يقرب من 215 كيلومترا. كانت هذه هي المرة الأولى للكشتة شرقا، حيث لم يكن يروقني، وأنا ابن نفود الزلفي شديد الحمرة والجمال، أن أذهب إلى رمال بيضاء تشبه الطحين المذرور في وجهك. هناك فوجئت بـ (بَر) غير.. بَرُّ على حدود مدينة يجري تحديثها لتكون على مستوى توقعات زائريها. حكاية محلية شائقة تحدث هناك في النعيرية، حيث يعيش حوالي 50 ألف قاطن في المدينة على دخولهم المكتسبة من سياحة الصحراء، وحيث يستغنون بهذه الدخول عن مزاحمة الآخرين في المدن والمراكز الرئيسة.