الملتقيات الثقافيـة والعلميـة
مناسبات ثقافية كثيرة وكبيرة تنظمها بعض مؤسساتنا الثقافية، تبدأ وتنتهي دون أن تترك أثراً ملحوظاً في الحراك الثقافي، وغالباً ما تنتهي إلى توصيات لا تفعّل بل وتنسى مع مرور الوقت، عندما يكون مآلها ملفات الحفظ، ليتراكم عليها الغبار دون الحاجة للرجوع إليها إلا في الحالات النادرة، وكأن الجهة المنظمة لم تبذل من الجهد والمال ما يستحق الاهتمام، أو كأنما أقيمت تلك الملتقيات لتحقيق مزيد من الدعاية المؤقتة للجهة المنظمة، ومزيد من الأضواء الإعلامية الآنية للمشرفين على تنظيمها، ثم بعد ذلك تجف الأقلام وتطوى الصحف، ولا من يسأل عن مصير نتائج تلك الجهود، وفي أحسن الحالات تظهر بعض المطبوعات الجديدة حول موضوعات هذه الملتقيات، وهي مطبوعات لا تلقى من يهتم بها لسببين: أولهما أنها توزع مجاناً، وثانيهما أن الموضوعات التي تتناولها تكون قد استهلكت بحثاً وتشريحاً سواء من قبل المختصين أو من قبل غير المختصين الذين نراهم يغوصون في كل البحار، ليقدّموا حصيلة رحلتهم في بحور الثقافة، وهي حصيلة في معظم الأحيان لا ترقى إلى ما يقدّمه المختصون، ومهما كان مستوى إخراج تلك المطبوعات، ومهما بلغت تكاليف طبعاتها فلن تجد إلا القلة من المهتمين بها.هذا ما تفرزه الملتقيات الثقافية في معظم الأحيان، وبالمقابل نرى الملتقيات العلمية تضيف أشياء جديدة، وتقدّم رؤى ومنجزات جديرة بالاهتمام، وربما أدت إلى مدّ جسور التواصل بين العلماء واستفادة كل واحد منهم من خلال الحديث عن التجارب العلمية المخبرية، وما يقدّمه العاملون في مراكز الأبحاث من جهود يمكن أن يؤدي التعرف عليها إلى مزيد من الإضافات الجديدة ذات الأهداف العلمية الجادة والمؤثرة في حياة الناس وتقدّم البشر، وازدهار العالم، فالعلم غير التقافة في الطرح واستخلاص النتائج، وصولاً إلى الأهداف المنشودة، وإن كان العلم ثقافة، فإن الثقافة ليست علماً، وإن كانت الثقافة ذات وجوه متعددة فإن العلم له وجه واحد فقط لا غير. هذه الملتقيات لا تملك صلاحية ولا إمكانية تنفيذ توصياتها؛ لأنها في الغالب جهات تفتقد أدوات التنفيذ لتكون أكثر فاعلية في مساعيها لتحويل القول إلى عمل والتوصيات إلى منجزات.الملتقيات العلمية تخرج بأشياء واضحة وذات أسس علمية قابلة للتطوير وفق نظريات محددة، لكن ما نراه في الملتقيات الثقافية لا يخرج عن اللقاءات الشخصية في أروقة الفنادق الضخمة، وتبادل أحاديث المجاملات وبطاقات التعارف، وحضور الولائم التي يقيمها بعض المسئولين، وبعض الجلسات أو ورش العمل أو حتى الندوات والمحاضرات التي تأخذ من الوقت ما هو أثمن منها؛ لأنها تردد ما سبق أن ردد، وتقول ما سبق أن قيل، حتى إذا ما انفض السامر، عادت الأمور إلى ما كانت عليه في السابق من ترديد ما لا يُردد وقول ما لا يُقال.وفي الحالتين ماذا يمكن أن يضمن تفعيل نتائج هذه الملتقيات؟!.. أتصور أن فقدان المتابعة هو السبب في غياب تلك النتائج، ولو اقترن كل ملتقى ـ دوري أو غير دوري ـ بلجنة متابعة للتوصيات التي يتم الاتفاق عليها، لأثمرت هذه الملتقيات وحققت إن لم يكن كل أهدافها، فعلى الأقل شيئاً من هذه الأهداف، واختيار لجنة المتابعة لابد أن يكون على مستوى كبير من الدقة لضمان أن تكون هذه المتابعة واقعية بالتنسيق مع الجهات التنفيذية التي يمكنها إخراج تلك التوصيات إلى حيز الوجود؛ لأن هذه الملتقيات لا تملك صلاحية ولا إمكانية تنفيذ توصياتها؛ لأنها في الغالب جهات تفتقد أدوات التنفيذ لتكون أكثر فاعلية في مساعيها لتحويل القول إلى عمل والتوصيات إلى منجزات.أما إذا كانت هذه الملتقيات تحت مظلات جهات رسمية، فهي عاجزة عن تشكيل وعي عام يحقق أهدافها؛ لأنها تخضع لاعتبارات رسمية قد توجّهها وتستنطق المشاركين فيها في اتجاه معيّن مسبقاً لا يمكن تجاوزه، أو حتى الإضافة عليه، فالبرنامج الموضوع غير قابل للخروج على أهدافه، وهو أمر يسيطر على أجواء الملتقيات الثقافية، وترفضه الملتقيات العلمية، حيث لا مجال لغير العلم في تحديد مسار كل ملتقى، والعلم لا يحتاج إلى مجاملات ولا إلى كلام معسول، ولا إلى مراعاة الخواطر وترضية النفوس؛ لأن العلم في حد ذاته غير قابل للانشطار والتشظي في غير مجالاته المحددة.