خليل الفزيع

حتى لا تفقد الكتابة الإبداعية هيبتها

هل للكتابة الإبداعية هيبة؟ وهل يمكن القول: إن الكتابة الإبداعية ستفقد هيبتها؟ على ضوء ما تحفل به الساحة الإبداعية من منتنج هابط المستوى، لا يملك أدنى مقومات الإبداع، ومع ذلك يجد له مجالا للنشر في الصحف والدوريات والكتب ووسائل النشر الإلكترونية، والإعلامية المرئية والمسموعة، ودور النشر التجارية؟

إلى وقت قريب ربما لا يتجاوز نصف القرن كان ظهور كتاب إبداعي يشكل حدثا هاما تتناقله الصحف ويحتفي به النقاد، وتركزت الشهرة الأدبية في أولئك الذين برزت أسماؤهم ولمعت نجومهم في سماء الأدب.. لتقدم إنتاجا رصينا ومؤثرا في الحياة العامة، تتوافر فيه أعلى مستويات الإتقان من روعة الأسلوب وسلامة اللغة، لكن الصورة انقلبت رأسا على عقب، مع ثورة الاتصالات، وفورة الحماسة لدى الشباب الساعين إلى التجريب، مما سمح لأصحاب بعض المواهب المتواضعة للظهور، لتحتل مكانة لم تكن لتحلم بها لولا النشر الإلكتروني، والوفرة الاقتصادية التي أتاحت لكل صاحب مال أن يصبح كاتبا مشهورا إذا أراد، فتسخير جزء من ماله لن يضيره، بل سيجلب له فرصة الدخول لميدان كان محرما على غير الموهوبين، وبالمال يمكن أن يشتري الأقلام لتكتب له، ويشتري الأحلام التي يتولى غيره الكتابة عنها، حتى رأينا أحد الشعراء الشعبيين يعترف في مقابلة صحفية بأنه باع قصائده لأحد الميسورين المهووسين بالشعر الشعبي والظهور لإلقائه في المناسبات الثقافية التي تحتفي بمثل هذا النوع من الشعر، ليستقطب وهجا إعلاميا لا يستحقه، وشهرة أدبية هو غير أهل لها، فأين هي هيبة الإبداع في مثل هذه الحالات؟

الحراك التنموي يفرض ألوانا من الكتابة لم تكن سائدة في الماضي، لأن تصحيح أي مسار تنموي يعني الكتابة التقويمية لذلك المسار، وتحت هذا العنوان تندرج الكتابة عن المشاكل الاجتماعية، والظواهر الاقتصادية، والتحولات السياسية المؤثرة على المسار التنموي، وما قد يطرأ على المجتمع من مؤثرات مختلفةليس هذا فحسب، بل إن الوهن اللغوي والأسلوبي بدأ يشكل ظاهرة في معظم ما ينشر من إبداع، لأن باب النشر أصبح مفتوحا على مصراعيه، وتغيرت مقاييس النجاح مع سيطرة النزعة التجارية على ما تقدمه دور النشر من مطبوعات، لتصبح هذه المقاييس مرتهنة بمقدار ما تحققه من أرباح للناشر، وفي هذه الأجواء الموبوءة بالنزعة التجارية البحتة، فقدت مقاييس الإبداع الأصيل، ومعه فقدت هيبة الكتابة الإبداعية.ويتحمل النقد مسئولية تفاقم هذه الظاهرة السلبية في الوسط الإبداعي، بعد أن أصبحت المحرك الأوفر حظا لمسيرة الإبداع، فأصبح مثل العربة ذات العجلات المختلفة المقاييس، لا يستقيم لها سير، ولا يحلو إليها النظر في تمايلها المضطرب، وتراجع النقد مع زيادة حجم المنتج الإبداعي.. أمر غير محمود العواقب، لأن هذا يعني طغيان الغث على السمين، كما هو الحال في كثير من مظاهر الحياة عندما يسيطر كل ما هو هزيل على كل ما هو أصيل. مع أن منطق رأس المال يقول: إن العملة الأصلية تطرد العملة المزيفة من السوق، لكن ما مدى ظهور العملة الأصلية في سوق الإبداع؟لقائل أن يقول: إن الحراك التنموي يفرض ألوانا من الكتابة لم تكن سائدة في الماضي، لأن تصحيح أي مسار تنموي يعني الكتابة التقويمية لذلك المسار، وتحت هذا العنوان تندرج الكتابة عن المشاكل الاجتماعية، والظواهر الاقتصادية، والتحولات السياسية المؤثرة على المسار التنموي، وما قد يطرأ على المجتمع من مؤثرات مختلفة، كل ذلك يقتضي نوعا من الكتابات العامة أو المتخصصة المتعلقة بأساليب وخطط التنمية لتصحيح مسارها حينا، والإسهام في دعوة المشاركة في إنجازها او المحافظة عليها حينا آخر.. لكن المقصود هنا هو المنتج الإبداعي بصفة خاصة، وليس المنتج الثقافي بصفة عامة، والثقافة ليست أدبا فقط، ولكنها تشمل جميع ألوان المعارف الإنسانية، ذات العلاقة بمتطلبات التنمية البشرية، والمعبرة عن طموحات وآمال الإنسان في الحياة الحرة الكريمة، والحديث عن الإبداع لا يقلل من قيمة الأنواع الأخرى من الكتابة، بل إنها في بعض الحالات ربما كانت أكثر تأثيرا على الحياة العامة من الكتابة الإبداعية، لما تتسم به من مباشرة ووضوح في الطرح لا توفره أدوات الكتابة الإبداعية، والخوف أن يدخل هذا النوع من الكتابة في نفق الضحالة الذي  تتعرض له بعض الكتابات الإبداعية، وتصحيح مسار التنمية، والمطالبة بالإصلاح، ومعالجة المشاكل الاجتماعية، كل هذه الأمور لا تقبل الضحالة والتسطيح والمداهنة والتزييف.الجدية في الطرح، والحرص على الاحتفاظ بما تفرضه الكتابة من أدوات، والتوازن في النظر إلى الحياة، وترك التعالي على الناس واستغبائهم.. كل ذلك يحمي الكتابة بصفة عامة من أن تفقد هيبتها. 

khlilf@hotmail.com