محمد العلي

اختطاف الحياة«2ـ2»

الدوحة ـ محمد صبره:قال الشيخ القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: “كثير من المشايخ أو العلماء يعيشون في الكتب ولا يعيشون في الواقع.. بل هم غائبون عن فقه الواقع.. لأنهم لم يقرأوا كتاب الحياة كما قرأوا كتب الأقدمين.. ولهذا تأتي فتواهم وكأنها خارجة من المقابر”.لندع الحقل الفقهي ونترك القرضاوي ونذهب إلى حقل آخر هو الحقل السياسي.. ونطرح السؤال: هل يجوز للسياسي أن يشهر سيفه قائلا: لا يجوز لأحد أن يتدخل في حقلي؟حقل السياسي متداخل بالضرورة مع كل الحقول النظرية والعملية.. وكلما ازداد الحقل السياسي شمولاً وأبوة ازداد تحكماً في استغلال الحقول الاخرى.هناك مقياس للتقدّم والتخلف أو الديمقراطية وعدمها هو مقدار تدخل الحقل السياسي في الحقول الأخرى.. فنحن نرى انه كلما انحسر ظل الهيمنة السياسية ازدهر الحقل المدني بكل أبعاده وفصوله والعكس بالعكس.ما سبب هذا ؟يعيد الدكتور نادر كاظم سبب ذلك إلى ما سماه (طبائع الاستملاك) التي تدعي امتلاك الحقيقة والرأي المطلق.تعليل نادر هذا قادر على تفسير تدخل حقل مثل الحقل الفلسفي او الفقهي في الحقول الأخرى.. ولكنه ليس كافياً لتعليل التدخل السياسي.. فالسياسي قد لا يعتقد انه يملك الحقيقة المطلقة.. ولكنه يفرض رأيه لشيء آخر، وليكن لمجرد الفرض نفسه إذا لم يكن لمصلحة فئة يريد لها التحقق.. وهذا لابد له من تعليل اوسع من امتلاك الحقيقة المطلقة والاعتقاد بها. ما السبب في نضال المجتمعات الإنسانية منذ اقدم العصور في سبيل الوصول الى واحات الحرية والديمقراطية واخواتهما؟ السبب هو ان القرار السياسي يمس الجميع: فهو اما ان يزيد الحياة ازدهارا او يختطفها من نفوس أصحابها.. لأن الحياة ليست اياما.. انها قيم.. وطمس أي قيمة منها هو اختطاف لها او هو اغتصاب بتعبير اشد وضوحاً.الهدف الأساسي للسياسي هو إبقاء الأوضاع الاجتماعية وفق رغبته وسيطرته سواء كانت هذه الأوضاع سلوكية او فكرية.. وهذا اشبه بمطارحة المستحيل لأنه مخالف لسير التاريخ وللتنوع الفطري بين البشر... وليس امامه سوى طريقتين: الإقناع المزيف او القمع.. وهذه هي المعضلة الازلية لأي سياسي ماضياً وحاضراً.وقد وصلت بعض الشعوب الى حل هذه المعضلة بالحرية والديمقراطية.. واعطف مثلها كثيرا.