الطريق إلى العمل لا يتغيّر. المنبّه ذاته، والقهوة على عجل، والإشارة التي تقف عندها كل صباح، والوجوه نفسها في المصعد، ثم مساءٌ ينتهي أمام شاشة حتى يغلب النوم. وفي لحظة صفاء نادرة، يسأل الإنسان نفسه: لماذا تمرّ السنوات ولا يتغيّر شيء؟ والجواب أقرب مما نظنّ؛ فحياتنا لا تصنعها القرارات الكبرى التي نعلنها، بل الأفعال الصغيرة التي نكرّرها دون أن ننتبه.
نحن نتصوّر أنّ التحوّل يحتاج إلى انتقال كامل في المسار، ولحظة فارقة تقسم العمر إلى ما قبلها وما بعدها. والحقيقة أهدأ من ذلك بكثير. فالتغيير يتسلّل على أطراف أصابعه: صفحة تُقرأ قبل النوم، ومكالمة قصيرة لأمّ تنتظر، وعشر دقائق من المشي بعد العشاء، وريال يُدّخر قبل أن يُنفَق. أشياء لا تصلح لأن تُروى، ولا يُصفّق لها أحد، لكنها حين تتراكم تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
وسرّ العادة الصغيرة أنها لا تستنزفك، فلا تضطر إلى هجرها عند أول انشغال. وهي في متناول كل أحد، لا تحتاج إلى مال ولا فراغ ولا ظرف استثنائي. الطموح الكبير يشتعل سريعًا وينطفئ سريعًا، أما الخطوة الهادئة المتكرّرة، فتمشي معك في يوم الحماسة ويوم الفتور معًا. ولهذا كان أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ؛ حكمة سبقت كل ما كُتب اليوم عن بناء العادات.
وتأمّل علاقاتنا، تجدها تجري على القانون ذاته. فالمودّة لا تُبنى في مناسبة كبيرة، بل في سؤال عابر عن حال صديق، وفي رسالة قصيرة تصل في وقتها، وفي إنصات هادئ لا يقاطع ولا يستعجل. والبيوت الدافئة لم تصنعها الهدايا الثمينة، بل جلسة قصيرة بعد المغرب تتكرّر كل مساء، وكلمة شكر لا يملّها اللسان.
لكنّ للقانون وجهًا آخر ينبغي أن نحذره؛ فما يبنيه الصغير يهدمه الصغير. تأجيل بسيط يتكرّر، ووعد يُخلَف مرة بعد مرة، ودقائق تُسرق من النوم كل ليلة. لا يبدو شيء منها خطيرًا في حينه، ثم تستيقظ يومًا على نسخة منك لا تعرفها. نحن لا ننهار دفعة واحدة، بل نتآكل ببطء.
والأجمل أنّ الباب مفتوح في أي عمر. لست مطالبًا بأن تقلب حياتك الليلة، بل بأن تختار فعلًا واحدًا صغيرًا تحتمله ظروفك، وتكرّره حتى يصير جزءًا منك لا تفكّر فيه. الطريق قد يبقى نفسه، لكنّ الذي يسير فيه هو الذي يتبدّل.
خلاصة القول: الأثر الباقي لا يُصنع في لحظة نادرة، بل يُبنى في فعل صغير يتكرّر بلا ضجيج. فاختر عادة واحدة تليق بك، والزمها اليوم، ودع الأيام تفعل ما تُحسنه.
akuwaiti@iau.edu.sa