عبدالله صايل


نحن فتية وشباب في مقتبل العمر، منّا من هو في المرحلة المتوسطة، وأكبرنا بالكاد في الصف الأول الثانوي، والمكان هو شاطئ الهاف مون، ونقطة التجمّع للرفاق هي «بوفيه السمكة»، وهو بوفيه مبني بالخرسانة على شكل سمكة، يبيع الماء والمشروبات الغازية وساندوتشات البيض والجبن والبرغر، والتاريخ في هذا المشهد هو شهر أكتوبر من العام 1985م، وقد انحسر صيف حارق، وبدأت نسمات ربيعية في توجيه دعوة لا تُقاوم لنا للالتقاء والدردشة والضحك من قلوب يجمعها النقاء وصادق الإخاء.
أخذتني الذاكرة إلى هذه اللحظات، وأنا أشاهد ما يصل إلى حسابي في منصة «تيك توك» من اجتهادات حول فترة الثمانينات، تقدمها حسابات يمكن لك التخمين أن من يديرها من مواليد العام 2000 على أبعد تقدير. وعندما أنظر إلى المحتوى بعيني، وأدقق النظر.. أبتسم في كل مرة، فلا هذه هي شوارع الثمانينات، ولا تلك هي أغانيها، كما لا تمت هذه السيارات إلى حقبة الثمانينات بأي صلة.
من بين ما يصلني، ضحكت من كل قلبي على لقطة منفذة بالذكاء الاصطناعي، والعنوان يقول: أشهر قصات الشعر للشباب في الثمانينات، وتحت الصورة المصطنعة تقرأ: «قصة النخافس»، والمقصود طبعًا «الخنافس» وليس «النخافس»، كما أن قصة الخنافس لم تكن الموضة السائدة في الثمانينات، بل كانت هبّة شائعة في أواخر الستينات وحتى السبعينات الميلادية من القرن المنصرم. و«نخافس» الذكاء الاصطناعي أو أخطائه الجسيمة لا تقتصر على تسريحات الشعر فقط، بل تمتد المغالطات لتشمل كل جوانب الحياة التي سبقت حقبة الذكاء الاصطناعي الحالية، والمقلق هو إعادة تقديم العديد من المغالطات إلى الجيل الحالي وتكثيف نشرها، لتشكّل وعيًا جديدًا مليئًا بالتشوهات التي تبني يقينًا مستحدثًا لا أساس له من الصحة.
جميل تعلّق أبناء وبنات هذا الزمن بمراحل نشأة ذويهم وأقاربهم، وبقدر ما يتحدث الوالدان والأقارب الأكبر سنًا بحب متغزلين في وقت أزف، ومبدين اشتياقًا لحقبٍ مضت، بقدر ما يتعلق هؤلاء الشباب وجدانيًا، ويتلبسهم الحنين الثمين لهذه الحقبة أو تلك؛ ويسعون بطريقتهم وأدواتهم العصرية إلى تمجيد الحقبة التي قلنا لهم إنها أجمل مراحل الصبا؛ وأرى في الجيل الشاب اليوم وفاءً عظيمًا للحقبة التي عاش فيها آباؤهم، وربما من يكبر آباءهم سنًا بقليل، ولعلنا نجحنا دون أن نقصد في نقل هذا الإحساس بالامتنان إلى مرحلة مهمة في حياتنا إلى جيل كامل من شباب الألفية الحالية.
@abdullahsayel