هنادي السعيد


ليس التسامح أن نتجاهل ما يؤلمنا، ولا أن نتنازل دائمًا عن حقوقنا، بل أن نمنح أنفسنا مساحة أوسع للنظر إلى الحياة، بعيدًا عن ثقل الخصومات وتراكم المشاعر التي تستنزف الإنسان أكثر مما تغير الواقع.
في العلاقات الإنسانية، لا يتشابه الناس في طباعهم وتجاربهم وطرق فهمهم للأشياء. وقد يحدث الاختلاف لأسباب بسيطة، وقد تتسع المسافة بين الأشخاص بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب، أو موقف لم يُفهم كما ينبغي. وفي كثير من الأحيان، لا يكون استمرار الخلاف دليلًا على أهمية ما حدث، بقدر ما يكون نتيجة لصعوبة التراجع عنه.
التسامح هنا لا يعني نسيان التجربة، وإنما تجاوز أثرها. فالإنسان يستطيع أن يتعلم مما مر به دون أن يبقى أسيرًا له، وأن يحتفظ بحدوده دون أن يحمل في داخله رغبة دائمة في العتاب أو الانتقام.
وللتسامح وجه آخر أكثر هدوءًا، يتمثل في أن نتسامح مع اختلاف الآخرين عنا. ليس مطلوبًا أن نتفق مع الجميع، ولا أن نرى الأشياء بالطريقة نفسها، لكن يمكننا أن نختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، وأن نحافظ على الاحترام حتى عندما تتباين المواقف.
وقد يكون أجمل ما في التسامح أنه يبدأ من الداخل. حين يخفف الإنسان من رغبته في محاسبة الآخرين على كل كلمة وموقف، يصبح أكثر قدرة على العيش بهدوء، وأكثر انشغالًا بما يستطيع أن يصنعه في يومه وحياته.
التسامح في النهاية ليس ضعفًا، ولا انتصارًا لطرف على آخر؛ إنه اختيار شخصي يمنح الإنسان قدرًا أكبر من السلام، ويترك في حياته مساحة للأشياء التي تستحق أن تبقى.
HAQ-7788@outlook.com