يظن البعض أن الناجحين حصلوا على فرص لم يحصل عليها غيرهم، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فقد تمر الفرصة الواحدة أمام عشرات الأشخاص، فيلتقطها أحدهم، بينما يمر بها الآخرون، ولا يدركون أنها كانت فرصة إلا بعدما يرونها نجاحًا عند غيرهم. ليس لأن الفرصة اختارت شخصًا دون آخر، بل لأن العقول لا تقرأ الفرص بالطريقة نفسها، وهنا يبدأ الفرق الحقيقي.
فالفرق بين عقلية الوفرة وعقلية الندرة لا يكمن في عدد الفرص التي يحصل عليها الإنسان، بل في الفرص التي ينجح في اكتشافها، ثم يملك الشجاعة لتحويلها إلى واقع.
ولهذا، لا ترتبط عقلية الوفرة بكثرة المال، ولا بالوظيفة، ولا بالمكانة الاجتماعية، وإنما ترتبط بطريقة التفكير. فصاحب عقلية الوفرة ينظر إلى الحياة بعين الباحث عن الإمكان، لا بعين الباحث عن العائق. وإذا أُغلق باب، بدأ يبحث عن نافذة. وإذا أخفق، لم يسأل: لماذا حدث لي هذا؟ بل سأل: ماذا يمكنني أن أتعلم من هذه التجربة؟
أما من يميل إلى عقلية الندرة، فقد يبدأ من نقطة مختلفة؛ إذ ينظر إلى الفرص باعتبارها محدودة، وقد يرى أن النجاح لا يتسع للجميع، وأن الظروف أقوى من المحاولة. ومع تكرار هذه النظرة، قد تتحول العقبات إلى مبررات للتوقف، ثم تصبح مع الوقت قناعة تحد من القدرة على المحاولة والمبادرة.
ولنتأمل واقعنا اليومي. موظف يرى دورة تدريبية فرصة لتطوير مستقبله، وآخر يراها تكلفة يمكن الاستغناء عنها. وشخص يسمع عن نجاح صديقه، فيسأله عن الطريق الذي سلكه، بينما قد يفسر آخر ذلك النجاح بالظروف أو الحظ. وشاب يبدأ مشروعًا صغيرًا بما يملك، ثم يطوره بالتعلم والخبرة، بينما ينتظر غيره رأس مال كبيرًا، فلا يخطو الخطوة الأولى.
ومن هنا تظهر حقيقة يغفل عنها كثيرون: فالفرص لا تأتي وهي تحمل لافتة تقول: «أنا فرصة». فقد تأتي في هيئة كتاب، أو فكرة، أو نصيحة، أو تجربة فاشلة، أو شخص يفتح لك بابًا إلى المعرفة. وصاحب عقلية الوفرة يلتقط هذه البدايات الصغيرة، ثم يحولها بالصبر والعمل إلى إنجازات كبيرة. أما من يميل إلى عقلية الندرة، فقد يمر بها لأنها لا تشبه الصورة المثالية التي رسمها في ذهنه.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله عقلية الندرة أنها لا تمنع الإنسان من النجاح بالضرورة، بل قد تقنعه مسبقًا بأن النجاح بعيد عنه. وأجمل ما تفعله عقلية الوفرة أنها لا تعده بطريق خالٍ من الصعوبات، لكنها تمنحه القدرة على رؤية الإمكان حيث لا يرى الآخرون سوى القيود.
ختامًا، لا تسأل: كم فرصة مرت أمامي؟ بل اسأل: كم فرصة عرفت أنها فرصة قبل أن تصبح نجاحًا؟ فهناك من ينتظر أن تتغير حياته، وهناك من يغيّر طريقة تفكيره، فتتغير حياته تباعًا.
فالوفرة ليست مالًا يملكه الإنسان، بل بصيرة تسبق المال، ورؤية تسبق القرار، وعقل يؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. فكل إنجاز عظيم بدأ بفكرة رآها أحدهم فرصة، ورآها غيره أمرًا عاديًا.