كما نعاني اليوم من التردد في اتخاذ القرار، نعاني أيضًا من التعجل في اتخاذ هذا القرار، وذلك بلا دراسة ولا روية، فتحدث المشاكل وتكثر عبارات: انصدمت في فلان، ما توقعت الأمر بهذه الطريقة، بعد أن نخسر المال وقبله الوقت والجهد.
الحكمة مطلوبة في كل أمر من أمور الحياة، وفي سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، لما تم الانتهاء من بيعة العقبة الثانية وبدء الجميع بالانفضاض، ثم اكتشاف الشيطان وصراخه بقريش أن يتنبهوا، هنا قال العباس بن عبادة بن نضلة -رضي الله عنه-: والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم”، فأطاعوا ورجعوا وناموا حتى أصبحوا.
الشجاعة قد تكون تهورًا، والكرم قد يكون رياءً، والقرار قد يكون مدمّرًا، وليس هناك أجمل من وضع الشيء في موضعه، ولذلك كانت هذه نصيحة رسول الحكمة صلى الله عليه وآله وسلم، فكل شيء له وقته.
كثيرٌ من الإخفاقات التي نراها اليوم ليست بسبب ضعف الإمكانات، بل بسبب اتخاذ القرار في غير أوانه، فالمزارع لا يجني الثمرة قبل نضجها، والطبيب لا يصف العلاج قبل التشخيص، والقائد الناجح لا يسمح للعاطفة أن تتقدم على الحكمة.
ولقد كان الأنصار في تلك الليلة مستعدين للتضحية، وكان فيهم من الشجاعة ما يدفعهم إلى المواجهة الفورية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علّمهم أن نجاح الفكرة أهم من الانتصار للحظة، وأن المشروع الكبير قد يفسده قرار متعجل مهما كانت النوايا حسنة.
وفي حياتنا اليومية، كم من شراكة فسدت بسبب استعجال التوقيع، وكم من وظيفة تركها صاحبها دون دراسة فندم، وكم من علاقة قُطعت بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب.
إن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يخلطون بين السرعة والحسم، فليس كل سريع حاسمًا، كما أن المتأني ليس بالضرورة مترددًا، بل قد يكون أكثر بصيرة بمن حوله وبعواقب قراره. والحكيم لا يسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أفعل فقط؟ بل يسأل أيضًا: متى أفعل؟ وكيف أفعل؟ وما النتائج التي ستترتب على ذلك؟
إن التروي لا يقتل الفرص كما يظن البعض، بل يحميها من القرارات المرتجلة.
aldabaan@hotmail.com