azmani21@hotmail.com
في ستينيات القرن الماضي، لم يكن لازلو بولغار يبحث عن مجد شخصي، بل عن إجابة لسؤال أربك علم النفس طويلًا: هل يُولد العباقرة أم يُصنعون؟ لم يكتب ورقة علمية، ولم ينتظر تمويلًا بحثيًا؛ بل حوّل بيته إلى معمل حي، وجعل من حياة بناته الثلاث تجربة مفتوحة على كل الاحتمالات. طاولة شطرنج لا تغيب، مكتبة تزاحم الجدران، وجدول يومي صارم يترك مساحة ضيقة لأي شيء خارج التعلم.
والجدير بالذكر أن هذه التجربة لم تكن ارتجالية، بل قامت على قناعة عميقة بأن البيئة المصممة بعناية قادرة على إعادة تشكيل القدرات البشرية. لم يُدخل بناته مدارس تقليدية، بل اختار التعليم المنزلي المكثف، مركزًا على الشطرنج كلغة تفكير قبل أن يكون لعبة. ومع مرور السنوات، بدأت النتائج تتسلل بهدوء إلى الساحة العالمية: سوزان بولغار تتوج بطلة عالم، وصوفيا بولغار تحصد ألقابًا دولية، بينما كانت المفاجأة الكبرى تنمو بصمت.
ولعل ما ينبغي الإشارة إليه أن جوديت بولغار لم تكتفِ بمنافسة النساء، بل اقتحمت عالم الرجال، وكسرت أرقامًا قياسية مبكرة، وهزمت أسماء لامعة مثل غاري كاسباروف، الذي كان يرى أن الشطرنج ليس ميدانًا نسائيًا. لم تكن هذه مجرد انتصارات فردية، بل كانت صفعة لفكرة راسخة عن حدود الإمكانات. هنا بدت نظرية الأب وكأنها تتحول من فرضية جريئة إلى واقع مدعوم بالأرقام.
ومن هذا المنطلق، وتماشيًا مع ما تم ذكره، قد يبدو من السهل القفز إلى نتيجة حاسمة: أن العبقرية تُصنع بالكامل، وأن أي إنسان قادر على بلوغ القمة إذا وُضع في البيئة الصحيحة. غير أن هذا الاستنتاج، بالرغم من جاذبيته، يتجاهل تعقيد الطبيعة البشرية. فالعلم الحديث يشير إلى أن التدريب المكثف يفسر جزءًا كبيرًا من التفوق، لكنه لا يلغي دور الفروق الفردية، سواء في القدرات الذهنية أو السمات الشخصية. حتى داخل عائلة بولغار نفسها، وبرغم تطابق البيئة، لم تصل الأخوات الثلاث إلى المستوى ذاته، وهو ما يفتح باب التساؤل بدلًا من أن يغلقه.
والجدير بالذكر أيضًا أن الطريق إلى التميز، حين يُرسم بهذه الصرامة، لا يخلو من كلفة إنسانية: طفولة مختلفة، ضغط مستمر، ومسار شبه أحادي لا يترك مجالًا واسعًا للتجربة الحرة. قد يكون الثمن مقبولًا في نظر البعض حين تكون النتيجة استثنائية، لكنه ليس بالضرورة خيارًا صالحًا للجميع. فليست كل النجاحات تُقاس بالألقاب، ولا كل الحيوات تُختصر في إنجاز واحد.
ولعل ما ينبغي الإشارة إليه هنا أن الدرس الحقيقي لا يكمن في استنساخ تجربة بولغار، بل في إعادة فهم علاقتنا بالتعلم والتطور. نحن لا نحتاج إلى انتظار لحظة إلهام غامضة، ولا إلى التعويل الكامل على ما نسميه “موهبة فطرية”. البيئة التي نصنعها لأنفسنا، والعادات التي نلتزم بها، وطريقة التدريب التي نتبناها، كلها عوامل قادرة على دفعنا إلى مستويات لم نكن نتخيلها.
ومن هذا المنطلق، وتماشيًا مع ما تم ذكره، يمكن القول إن العبقرية ليست نقطة وصول محجوزة لقلة مختارة، بل مساحة يمكن الاقتراب منها بقدر ما نمتلك من وعي وانضباط واستمرارية. قد لا نصبح جميعًا أبطالًا عالميين، لكننا بلا شك نستطيع أن نصبح نسخًا أفضل بكثير من أنفسنا. وهنا تحديدًا تتجلى القيمة الحقيقية لتلك التجربة، لا كإجابة نهائية، بل كبوابة لسؤال أعمق: ماذا يمكن أن نصبح لو أخذنا إمكاناتنا على محمل الجد؟ ماذا لو لم ننتظر الشغف، بل صنعناه؟ ماذا لو تعاملنا مع التعلم كنظام لا كمزاج عابر؟ ماذا لو أدركنا أن الحدود التي نؤمن بها قد تكون وهمًا أكثر من كونها حقيقة؟ ماذا لو كانت العبقرية قرارًا؟