عبدالله العزمان يكتب:


ليس كل عطاء يُشترى، وليس كل كرم يُقاس بما يُدفع من مال. فهناك عطايا خفية، لا تُدوَّن في الحسابات ولا تُقاس بالأرقام، لكنها تبقى أطول أثرٍ في النفوس وأعمق حضورٍ في الذاكرة. ولعل من المفارقات أن بعض الناس يظن أن المال كفيل بشراء القلوب، فيبذله بسخاء، لكنه في الوقت ذاته يقسو بعبارته ويجفو بكلمته، فيفقد بذلك ما لا يستطيع المال أن يعوِّضه.
فالإنسان بطبيعته لا يبحث فقط عمّن يعينه مادياً، بل عمّن يكرمه إنسانياً. ومن هنا كان الوجه الطلق والكلمة الحسنة باباً واسعاً إلى القلوب. وقد لخَّص النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الحقيقة بعبارة موجزة حين قال: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة»، وقال أيضاً: «الكلمة الطيبة صدقة». وكأن هذه النصوص تؤسّس لفهمٍ أخلاقي واجتماعي مفاده أن اللطف في المعاملة ليس ترفاً، بل قيمة إنسانية لها أثرها في بناء العلاقات.
ولذلك لم يكن غريباً أن يولي علماء الإسلام عنايةً كبيرةً بهذا المعنى. فقد أشار ابن القيم إلى أن حسن الخلق وبشاشة الوجه من أعظم ما يجذب القلوب ويؤلف بين الناس، مبيناً أن النفوس مفطورة على محبة من يحسن إليها قولاً وفعلاً. أما الإمام الغزالي فقد عدَّ الكلمة الحسنة من دلائل تهذيب النفس وكمال المروءة، لأن أثرها يتجاوز لحظة النطق ليترك في النفس طمأنينة ووداً لا يُنسى.
ومن زاوية علمية حديثة، تؤكِّد دراسات علم النفس الاجتماعي هذا المعنى نفسه. فقد أظهرت بحوث في جامعات مثل هارفارد وستانفورد أن اللطف اللفظي والتقدير الصادق يرفعان مستوى الثقة والتعاون بين الأفراد، ويؤثران إيجابياً في الصحة النفسية وجودة العلاقات. وتشير الدراسات إلى أن الناس يتذكرون طريقة المعاملة أكثر من مقدار العطاء المادي، لأن الكلمة الطيبة تمس كرامة الإنسان وتخاطب حاجته إلى الاحترام والتقدير.
ومن هنا تتضح مفارقة إنسانية لافتة: فبينما قد يفتح المال باباً، فإن الكلمة الطيبة هي التي تُبقيه مفتوحاً. فالمال يقضي حاجة عابرة، أما حسن المعاملة فيبني جسوراً من المودة تستمر طويلاً. كثيراً ما نجد أشخاصاً لا يملكون وفرةً في المال، لكن حضورهم محبوب وكلماتهم مرحب بها، لأنهم يملكون ما هو أثمن: لطف العبارة وصدق المشاعر.
وخلاصة القول: المال قد يشتري الخدمات، لكن الكلمة الطيبة وحدها هي التي تشتري القلوب.
azmani21@hotmail.com