طلبت زميلتي استشارة حول فيديو تسويقي بديع تنوي شركتها نشره بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، ودُهشت حين أخبرتني بأن تكلفة انتاجه انخفضت بنسبة 1000%، مقارنة بفيديو العام الماضي، الذي تطلب استئجار عشرات الممثلين والتصوير بكاميرات عالية التكلفة في خمس مدن متوزعة على ثلاث قارات، فضلاً عن تكاليف كتابة النصوص والتصاميم وتركيب الموسيقى والتعليق الصوتي، في حين أن فيديو العام الحالي أنتج بمساعدة ساحر اسمه الذكاء الاصطناعي. سرحت بخيالي وقفزت في ذهني عشرات الأسئلة!
في أمريكا، لم يكن فيديو المواجهة بين نجمي هوليوود توم كروز وبراد بيت، الذي انتشر الأسبوع الماضي مجرد مقطع للضحك والتندر العابر باستخدام الذكاء الاصطناعي، بل حمل دلالات عميقة، لحجم التحول في صناعة السينما. في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم الاثنين 16 فبراير، أفردت مساحة مهمة لتحليل الفيديو الفكاهي، من زاوية قدرات توليد الفيديوهات بالذكاء الاصطناعي ومنها تقنيات طوّرتها شركة «ByteDance»، ويكشف أن ما كان يتطلب استوديو ضخمًا وفريقًا من مئات المختصين يمكن اليوم إنتاجه بخوارزمية مدرّبة على كم هائل من البيانات.
صناعة الإعلام والترفيه عالميًا تُقدّر بنحو 2.8 تريليون دولار، فيما تتجاوز قيمة سوق السينما عشرات المليارات سنويًا. وتشير تقديرات مؤسسات استشارية كبرى مثل «McKinsey & Company» إلى أن ما بين 30 و40% من مهام قطاع الإعلام قابلة للأتمتة الجزئية خلال العقد المقبل. في السينما تحديدًا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكاليف مراحل مثل ما قبل الإنتاج، والمؤثرات البصرية، والدبلجة، بنسبة قد تصل إلى 20 أو 30%. هذه الأرقام تعني إعادة توزيع واسعة للقيمة داخل الصناعة، وربما إعادة تعريف لمفهوم «الطاقم» نفسه.
وسط هذه التحولات، يتجاوز النقاش حدود الفن إلى مستقبل العمل عمومًا. فقد توقع «Elon Musk» أن يؤدي التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى عالم يصبح فيه العمل «اختياريًا» خلال العقدين القادمين، مع قدرة الأنظمة الذكية والروبوتات على إنتاج وفرة غير مسبوقة من السلع والخدمات.
لكن السينما كما التصميم الإبداعي والصحافة ليست مجرد صناعات أو مجالات للعمل بل إنها تعبير إنساني. وهنا تطرح أسئلة من نوع من يملك «النسخة الرقمية» لوجه ممثل أو صوته؟ وهل يمكن استنساخ الأداء الفني دون إذن صاحبه؟ ماذا عن حقوق المبدعين في مجالات أخرى. وكما غيّر الصوتُ السينما في بدايات القرن الماضي، وكما غيّر الإنترنت الصحافة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقف اليوم على فوق رأس كثير من الصناعات مثل شبح يهددها إما التغيير الإجباري أو الفناء.
ربما لا تنتهي السينما وكثير من المهن كما عرفناها، لكن الأكيد أنه سيعاد تشكيلها هذا إذا في حال امتكلت المرونة لتطوير نماذج عملها.
سألت زميلتي ماذا سيكون مصير الشركة التي أنتجت فيديو العام الماضي! هل ستنقرض؟ الدور المقبل على من يا ترى؟ نظرت إلي، ولم تجب. ثم غادرت.
waleedalahmmed@yahoo.co.uk