إن الطفل منذ تشكله كنطفةٍ في رحم أمه يشعر بكل ما حوله، من رفضٍ أو حب، من خوفٍ، أومن شخصيته ونظرته الفريدة للعالم، فكيف نجرؤ على قول إنه صفحة بيضاء بينما تَشكل قبل أن يُولد حتى؟!
لطالما ترددت على مسامعي أن الطفل كالصفحة البيضاء، بإمكاننا تشكيله كيفما نهوى ورسم ملامح شخصيته وبنات أفكاره بأيدينا، ولكنني لم أقنع بهذه المقولة بتاتًا، فبحكم اختلاطي بالأطفال ورؤية اختلافاتهم، أيقنتُ أن الطفل لا يأتي خالي الوفاض؛ حيث تلعب الجينات والموروثات دوراً في تكوُّن شخصيته فتكسبه مخاوف ليست له، وتصرفات لا تنبع منه بالضرورة، بل مُمتدة من والديه، بناءً على ذلك يأتي الطفل إلى العالم وهو مُحمّل باستعداداته الخاصة، وهنا تبرز الحاجة إلى أسلوب تعليمي مبني على فضول الطفل لا على تكديس المعرفة وفرضها .
وقد وجدت فيما تقوله ماريا منتسوري عزاءً وسلوى لأفكاري: «يجب أن يكون هدف التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة هو تنشيط رغبة الطفل الطبيعية في التعلم، وليس بإكراهه على التعلم»، فالطفل لديه ما يكفي من الخبرات المتراكمة، والأسئلة التي تتوق إلى إجابة، واللهفة لاستكشاف العالم بروح مِلؤُها المغامرة، ومواهب فطرية بحاجة لمن يسقيها حتى تَينَع، وفضوله بحد ذاته شُعلة لا بُد لنا من المساهمة في سطوعها ونموها، لا أن نجعلها تنطفئ بينما نتوهم أن ما نفعله يصب لمصلحته.
بينما نهرع أحيانًا لتحميل الطفل المعرفة بصورةٍ تقليدية، نحن نُفسِده، ونوأد إبداعه، ونقتلع أفكاره المُبتكرة، بأفكارنا المهترئة، نستبدل خياله الواسع، بخيالنا المحدود، ليس هذا ما يجب علينا فعله، وليس على الطفل في سنواته الأولى أن يتعلم كل شيء ظنًا منا أنه إن لم يكتسبه الآن، فلن يكتسبه أبدًا، وأريد التنويه إلى أن اختيار الأسلوب المبسط حسب مرحلة الطفل العمرية هو الأمر المنشود تمامًا، فلسنا نريد إجهاده أو التساهل معه!
يؤلمني أن أرى البعض يصبون كامل اهتمامهم على تحميل الطفل معلومات ومعارف تفوق طاقته ومقدرته العقلية، ويهملون ما هو أهم: كتوليد الفضول لروح الطفل، وتهيئة البيئة للمزيد من الاكتشاف، والحرص على بناء أساسٍ صحي يؤهله لرحلة التعلم، بدلاً من ربط قيمته بمنجزاته ونجاحاته الدراسية واختزاله فيها، فكل ما يحتاجه أن يتم احترام عقله وقدراته في هذا العمر.
ختاماً، لما ذُكر آنفًا، أوصي جميع الآباء والأمهات بضرورة احترام رغبة التقصي في عقول أطفالهم وتشجيعهم على البحث عن إجاباتهم الخاصة، بدلا من تبني أفكار الآخرين في زمنٍ قلّ فيه من يتبع فكره الخاص.
أما بالنسبة للتربويين والمهتمين بمجال الطفولة المبكرة أقترح عليكم اختيار الأنشطة المراعية للفروق الفردية بين الأطفال كي لا يُصاب الطفل بإحباط، واللجوء لاستراتيجيات الاستقصاء وحل المشكلات فأثرها عظيم جدا، وأدعوكم لدعم المواهب لدى طلابكم، فبيدكم اليوم أن تخلقوا جيلًا جديدًا واثقا وناجحا، لا يستورد قناعاته واكتشافاته، بل يصنعها بذاته.
welayahalsadiq@gmail.com