سعود القصيبي


هناك من ينكر التغير المناخي وجميع تلك النظريات البيئية القائمة على الاحتباس الحراري. وهناك من يؤيد حقيقتها، بل يذهب إلى أكثر من ذلك. ونحن أمام ظاهرة جديدة. فقد شهد العالم تحوّلًا في مفهوم الطاقة ودورها في العالم، وهو تحول جديد لا يشبه أي تحول رأيناه ومنذ القرن الماضي، حينها كان النفط هو المحرك الأول للاقتصاد. غير أن القرن الحادي والعشرين جاء بأسئلة جديدة ومخاوف جديدة، وفي مقدمتها التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، والفوضى المناخية التي جعلت دولًا بأكملها تراجع حساباتها، وتبحث عن بدائل للطاقة أكثر نظافة وأقل ضررا بالبيئة في مشهد يطرح سؤالًا جوهريًا: ما مستقبل البترول؟ وهل نحن فعلاً أمام نهاية زمن النفط كما يتصور البعض، أم أننا فقط أمام إعادة تعريف لدوره في حياة الإنسان وصناعته؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تمس الدول النفطية بشكل مباشر، ورغم أن العالم يبدو وكأنه يتجه بقوة نحو بدائل الطاقة، فإن المشهد ليس بسيطًا كما يصوره البعض، لأن البدائل نفسها، رغم قدرتها على توليد الطاقة، تعتمد بدرجة ما على النفط خلال تصنيعها وبنائها وتشغيلها. ومن هنا تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا: العالم يريد طاقة نظيفة، لكنه لا يستطيع حتى اللحظة أن يستغني عن البترول.
فحين نتحدث عن الطاقة الشمسية، التي تعد اليوم الأسرع انتشارا والأقل تكلفة مقارنة بالماضي، نجد أنها تعتمد على خلايا مصنوعة من السيليكون والمواد المركّبة، وهذه الخلايا تحتاج إلى طبقات بلاستيكية واقية، والمواد البلاستيكية بطبيعتها مشتقة من الصناعات البترولية. كذلك الأمر بالنسبة لتوربينات الرياح التي تبدو للوهلة الأولى رمزًا للطاقة النظيفة؛ إلا أن شفراتها الضخمة تُصنَع من مركّبات البوليمر والألياف الزجاجية والإيبوكسي المعتمدة في تصنيعها على مواد بترولية، وهو يعني أن الطاقة النظيفة ليست مستقلة إنما هو إحلال وصناعة جديدة تحت ستار المفهوم البيئي.
وهذا الترابط يظهر بوضوح في صناعات البطاريات، التي تعتمد على المعادن النادرة مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، لكنها تحتاج أيضا إلى مكونات بلاستيكية ومواد عازلة ومنظومات نقل وتشغيل تعتمد جميعها على الوقود التقليدي. وحتى الهيدروجين الأخضر، يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة تُنتَج باستخدام المعادن والمواد التي يدخل النفط في صناعتها. وهذا يعني أن العالم، مهما اندفع باتجاه البدائل، سيظل بحاجة إلى النفط لعقود طويلة، ليس فقط لحرقه، بل لبناء اقتصاديات جديدة فوق أساسات مكونة من الصناعات البتروكيماوية.
ومع ذلك كله، فإن السؤال الأهم يبقى: هل الطاقة النظيفة بديل كامل للبترول؟ الإجابة بكل وضوح: لا. الطاقة النظيفة هي مصدر إضافي، لكنها ليست كافية وحدها لتشغيل العالم، فالطاقة الشمسية لا تعمل ليلًا، وطاقة الرياح مرتبطة بحركة الهواء، والهيدروجين الأخضر لا يزال مكلفًا، والبطاريات ليست جاهزة بعد لتخزين الطاقة على نطاق ضخم. والذكاء الاصطناعي لا يزال يحتاج إلى الوقود والنفط لصناعته وهذا يعني أن العالم بحاجة إلى مزيج تتعايش فيه المصادر النظيفة مع البترول بما يكفي لخلق عالم يعتمد بشكل أوسع على الكهرباء النظيفة.
وفي هذا السياق يجب الفهم أن التحول العالمي هو ليس لإلغاء النفط، بل تقليل استخدامه كوقود ملوث من الاعتماد عليه كعنصر صناعي ومن بناء اقتصاديات جديدة يقودها عنصر الابتكار. إلا أن ما هو واضح أن مستقبل توفر الطاقة لن يكون أحادي المصدر، ولن يكون بديلا كاملا عن النفط، بل سيكون منظومة متعددة الأبعاد، بينما يحتفظ بالنفط كطاقة لا غنى عنها وبدوره كمادة صناعية أساسية هي جزء لا يتجزأ من الاقتصاديات الجديدة.
abuaziz@gmail.com