اليوم تقابل شخصاً فتجده غاضباً معرضاً، ما السبب؟ لقد سمع كلاماً عنك، ولم يكلف نفسه بالبحث والتأكد.
واليوم تتقدم لوظيفة فلا تجد تفاعلاً يليق، أو لا تُرشّح لمكان مستحق، والسبب أنهم سمعوا عنك ولم يسمعوا منك.
عندما تقرأ سيرة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، تجد موقفاً يبين أهمية «اسمع مني ولا تسمع عني»، حدث لصحابي جليل هو الطفيل بن عمر الدوسي والذي كان رجلاً شريفاً، وشاعراً لبيباً، قدم مكة في عام 11 من النبوة، فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها بتقدير واحترام، وقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرّق بين الرجل وأبيه وأخيه وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئاً.
يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً؛ فرقاً من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسى: واثكل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر؛ ما يخفي عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته، فعرضت عليه قصة مقدمي، وما حدث لي، وقلت له: اعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت له : إني مطاعٌ في قومي، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية، فدعا.
وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل الله نوراً في وجهه مثل المصباح، فقال: اللهم في غير وجهي، أخشى أن يقولوا: هذه مثلة، فتحول النور إلى سوطه، فدعا أباه وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه في الإسلام، لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق، ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من قومه، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسناً، وقتل شهيداً يوم اليمامة.
قصة الطفيل تقول: لا تغلق أذنيك عن الحقيقة، من أجلك لا من أجل الآخرين.
aldabaan@hotmail.com