د. شلاش الضبعان يكتب:


هذا المجتمع متشبع بالقيم، وهذا مما يجب أن يعرفه الأبناء فيسيروا وفق ما تميز به الآباء، ومما حدث في مجتمعنا مما يستحق الفخر قصة خوة الشلقان من قبيلة شمر، وهذه القصة العجيبة التي حدثت عام 1315 للهجرة تقريباً تقو: أن ثمانية رجال من الشلقان ذهبوا في مهمة ومعهم ابن أختهم الذي لم يتجاوز الخامسة عشر عاماً وهو من عشيرة أخرى، وقد تعرض الفتى لكسر في ساقه منعه المشي، فطلب منهم أن يذهبوا ويتركوه حتى لا يثقل عليهم، ويؤخرهم، وهم على أقدامهم بلا طعام ولا راحلة، والمسافة بعيدة، والوقت في الصيف، فهل تركوه؟!
أبدأ! لقد قرروا أن يحملوه على أكتافهم، وقالوا: نحيا معاً أو نموت معاً، فصنعوا له نعشاً ثم حملوه، وكانوا يأكلون ورق الشجر، ويعيشون على خشاش الأرض والبحث عن الماء وكان أحدهم دليلاً، وأثناء مسيرهم وجدوا أن أحد الثمانية الذين يحملون النعش كان صغيراً، وبالتالي يميل النعش جهته مما يؤذي الكسير، فقرر أحدهم أن يأخذ دوره ودور الصغير طوال المدة وقد ترك ذلك أثراً في كتفه طوال حياته.
وفي مسيرة الوفاء اشتد عليهم العطش فقام أدلهم بالبحث عن الماء، وعندما وجده لم يشرب، بل رجع لرفاقه وأخبرهم، وعندما سألوه: لماذا لم تشرب؟ أجاب بأنه منعه أمران: الخوف أن يعود وقد وجد بعضهم ميتاً، ولكيلا يقال: هرب ولما وجد الماء رجع لهم.
وقد وجدوا جربوعاً في طريقهم فأعطوه للمصاب فأبى، وعرضوه على البقية فرفضوا، فأعطوه الأصغر وعمره 14 عاماً بعد أن أجبروه، وعندما عادوا وتحدثوا خاف والد الصغير أن يكون الولد أكل الجربوع وترك أصحابه، فأخرج الصغير الجربوع من جيبه وقد يبس، وبين أنه لم يأكله، فقال الوالد: «عفية ولدي.»
وقد أرّخ ابن أخيهم الكسير هذه القصة بقصيدة مشهورة يقول فيها:
يا الله يا منشي هماليل الأمطار يا مودع الديار المحيلة مخاضير
يا جابر العظمان من غير جبّار تجبر كسير ساق رجله شعاثير
وقال:
وقلت أرشدوا حظي من الآخرة صار ومع السلامة يا حماة المظاهير
قالـوا عـلـومـك ما لهـا عندنـا كـــــار هي نيتك والا تقوله مصاخير
اركب على المتنين عدك على حصار اركب علينا كفيت شر المعاثير
وقال عنهم:
وليا اوجسوا أني من الشيل جضّار قاموا يصفون الخطى لي بتقصير
متمـركـي عـدي بشاحـوف عبّـار ومتساوي على ظهور المناعير
«نحيا معاً أو نموت معاً»، إنها ملحمة فخر.
aldabaan@hotmail.com