هناء مكي


يعتمد السوق في نشاطه على السيولة المتدفقة، كما يعتمد الاقتصاد تماما على نشاط السوق، وتسمى تلك المتلازمات بالعجلة الاقتصادية، فتتوقف أو تتباطئ في حال شح السيولة، لأسباب عديدة أهمها، التحويلات المالية التي تخرج من السوق المحلي بسبب الاعتماد على الوافدين والعمالة الأجنبية بالسوق المحدود، الاستثمارات الأجنبية في البلاد، والتي لا تضيف كثيرا للاقتصاد والسوق المحلي بل تستنزف أمواله وموارده. فالبعض يقوم بتوظيف بني جلدته ولا يتكلف بتوظيف المواطنين والبعض يوجه خدماته لفئات غير محلية فلا تنفع الوطن ولا مواطنيه بل ترهق لوجستياته وتستنزفها.
وكذلك سوق السفر المتنامي قد يؤدي إلى سلبية في حال صار ظاهرة وأصبح عادة لفئة كبيرة من المواطنين الذين يسافرون بصورة مستمرة لأنهم لا يجدون بديل يغنيهم عن السفر في الوطن، فيصرفون أموالهم في بلدان أخرى، بل وأحيانا يستثمرون فيها بدواعي تكرار السفر، كما هناك الفعاليات التي تنظمها جهات أجنبية خارجية في السوق المحلية وليس لها هامش ربحية يعود على السوق التي تقام فيه بل تعمل بصورة متفرقة في تجفيف السيولة والتأثير على النشاط بدون خطة حكومية للاستفادة منها، ولا ننسى دور التجارة الإلكترونية حالياً، بالذات الطلب النشط على الأسواق الخارجية، إذ أنها مع الوقت قد تكون من أكبر العوامل التي تستنزف السيولة وتجففها محلياً، ولكنها على أي حال باتت أمر واقع، ويمكن حث السوق على المنافسة لجذب المستهلك نحوها.
لذا، وجب على الدولة أن تعيد الخطط للتصدي لانحسار قد تُفك قيوده مستقبلا فلا يمكن السيطرة عليه، وتعمل على ترشيد الإنفاق عبر خطط اصلاحية تهدف إلى تعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي للتصدي لأي سوالب تجره لركود موازي لركود عالمي أو تجفف منابع السيولة به، وتؤدي به إلى مخاطر ومشاكل وعجز، وأهم الإصلاحات هو إصلاح البنية التحتية أو الاستثمار فيها، وفق برنامج للموارد الاستراتيجية والاستثمار بمشاريع متجددة ومواكبة للتغيرات المتسارعة والعصرية، ووفقا لتقرير تابع لصندوق النقد أن الاعتناء بالبنية التحتية والاستثمار فيها يساهم في تخفيض التكاليف والنفقات التي يتم صرفها عليها بنسبة 1.5% في الاقتصادات المتقدمة، و3.5% في الاقتصادات الصاعدة والنامية.
ثم يأتي إصلاح سوق العمل بقوانين إلزامية للاعتماد على عنصر الشباب الوطني ورأس المال البشري الذي يعتبر أهم الثروات الوطنية وذلك من شأنه أن يعالج مشاكل البطالة من جهة وتأهيله في العمل بالمشاريع الأجنبية لكسب الخبرات، بالتوازي مع أهم الإصلاحات على الاطلاق وهو التعليم الذي يعتبر اليوم أهم الاستثمارات الناجعة على المدى الطويل وأكثرهم جدوى، فإصلاح التعليم سيوفر على الدولة حل أكبر المشاكل وأكثرها تأثير على الاقتصاد، وبحسب تقرير صندوق النقد فإن اصلاح التعليم يسهم في زيادة الإنفاق الحكومي بنحو 3% على الدول المتقدمة و6% على الدول الصاعدة والنامية. ويفتح التعليم فسحة لإيجاد فريق محترف يعنى بالبحث والتطوير والابتكار الذي صار ضرورة وطنية.
وتلك الإصلاحات لا تنجح من غير الإصلاحات الآنية كإصلاح المؤسسات وتعزيز نظم الإدارة، والاعتناء بالقوانين والإجراءات والمحاكم والصيغ العدلية، ومكافحة الفساد ونشر الشفافية وتفعيل المساءلة وتطوير أدوات الرقابة والاشراف. وكلها ستوفر على الدولة فرصة لتحسين كفاءة الإنتاج وسد الفجوات التي قد تشكل أزمات في حال استجد أي طارئ على السوق العالمي.
hanamaki807@gmail.com