تمر على شخص يتمتم ويهمهم مستمتعاً بما يفعله. لدرجة أنه قد ينسى أن هناك من يجلس مجاوراً له، صانعا له فقاعة خاصة به يؤثثها بأفكاره ويصبغ جدرانها بزاهي ألوان احساسه، ثم يأتي ذلك الغض ليحطم تلك الفقاعة الثمينة بجملة باليه مفادها «ماذا تفعل؟ ماذا ستستفيد؟ لماذا لا تغير طريقتك لماذا...؟، لماذا...؟، لماذا...؟» ويجر معه سيلاً من الأسئلة التي كنت منذ البداية هارباً منها، باحثاً عن زاوية تعتزل فيها الكون، وتصغي لهدير ماء ذهنك، ولكنه دونما استحياء يستحل دخول صومعتك دون استئذان..إنه وقتي الخاص يا عزيزي، من سمح لك أن تعبر حدود منطقتي؟ ألم تسمع بجواز السفر من قبل؟ من وضع ختم التأشيرة لك ولوح لك بالقدوم؟ يا عزيزي لا بأس بأن تكون مراقباً لهذا المستمتع، طالما هو في خضم جولات تفكيره وتحليله، مستلاً سيفاً له عصا خشبيه وشعيرات بها قليل من الألوان، فيرسم ما يشبه البحر الهائج والطود العالي الرفيع، ثم يهمد بثقيل صخور اصطدمت بها رياح حدسه وغرائزه.. أجل تلك معركة ضروس، فليس من الحكمة أن تقترب من ميدان القتال أعزل اليدين، وإلا قد تدفع ثمناً باهضاً قد يكلفك ماء وجهك.
هل سمعت يوماً بالنحلة؟ ذلك المخلوق الرائع، الذي لا يزور إلا الجميل على الأرض، تلك النحلة تستمع بجمع ما يطيب لها من روائع الزهور والورود، لتنتج من بطونها عسلاً شهداً لذيذ المذاق عسلي اللون أحياناً وداكناً أحياناً أخرى. ذلك الملهم هو بالضبط تلك النحلة التي تحلق في فضاء بساتين الأفكار وحدائقها، فلما تستحل الخوض في أجوائه وتعكر صفو رحلته؟ لما تحرمنا شهد عسله؟ أليس فعلاً شنيعاً؟ على الأقل هو كذلك برأيي!
هذه الشخصية التي قد تعكر صفو رحلة النحلة قد يكون لها عينا الذبابة، وهذا جانب ليس شراً محضاً، هذه النوعية من البشر حرموا فن التقاط الجميل، ولكن يعرفون وضع عقلة أصابعهم على مواطن الضعف والخطأ وكأنها قاذورات أو نفايات يجب التخلص منها، وعلى رغم منطقية الوصف إلا أنني لا أخفي امتعاضي عن هذه المدرسة الفكرية، فللأخطاء طعم لذيذ أحياناً! ألم تجربه؟ اعط ورقة لطفل ليلونها بها مجسم لفاكهة غريبة عن محيطه ودع خياله يلونها كيفما شاء، هناك احتمال كبير أن يلون البرتقال بأي لون عدا البرتقالي! ستضحك من قلبك عندما تفعلها.. الطفل سعيد بلحظته وبقدرته على عدم إخراج اللون من حدود الرسمة، وأنت محمرٌ ضاحكاً من عجيب الألوان.. فمن هو الساخر الذي يأنس بتخريب تلك اللحظة المميزة. ألم يدفع السلاطين للمهرجين ليضحكوهم! نعم تلك سخرية القدر.
ولكني لا أفهم لماذا أولئك البشر من صنف مصاصي الدماء كيف يهنأ لهم عيشهم بالتغذي على استنقاص هذا وذاك! أليس ما تفعله يسلبك جهداً؟ هل استمتعت بوجبتك من دماء الملهمين والمبدعين أو على الأقل البريئين من شنيع ذنبك؟
bshaleid@live.com